عن المُغيب من النقاش بشأن «فتح الاقتصاد» في الغرب..محمد ياغي

الجمعة 08 مايو 2020 02:35 م / بتوقيت القدس +2GMT



   بعد أربعة أسابيع على إغلاق أميركا لحماية مواطنيها من فيروس كورونا المميت، فقد 30 مليون أميركي وظائفهم. ما يعادل، وفق صحيفة نيويورك تايمز، قوة العمل الموجودة في 23 ولاية أميركية على الأقل، وهو يلغي في نفس الوقت، الإنجازات التي حققتها الحكومات الأميركية المتعاقبة خلال عشرات السنين لتوفير فرص عمل لمواطنيها.
لقد فقدت الولايات المتحدة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذه السنة 4.8% من ناتجها القومي، هذا يعني أنها فقدت ما يقارب الترليون دولار.
أوروبا ليست بأفضل حالاً. أعداد العاطلين عن العمل ارتفعت من 6.7% في السنة الماضية الى 9% هذا العام. الاقتصاد الألماني الأكبر في أوروبا سيتقلص مع نهاية هذا العام بنسبة 6.5% أما الفرنسي فسيخسر ما نسبته 8.5% وإيطاليا بنسبة 9.7% وفق تقارير الاتحاد الأوروبي نفسه.
أوروبا والولايات المتحدة تعتمدان كثيراً على بعضهما البعض. التبادل التجاري بين القارتين وصل العام الماضي الى 1.3 ترليون دولار، وثلاث شركات أوروبية عاملة في أميركا هي (بي أم دو، سيمينز وديلمر) لوحدها توظف أكثر من أربعة ملايين أميركي.
الركود الاقتصادي في القارتين يعني عجز كليهما عن مساعدة الآخر ومضاعفة أعداد العاطلين عن العمل.
حتى الصين التي عادت مصانعها الى العمل بكل طاقاتها، لن تستطيع أن تحقق نموا اقتصاديا ملحوظا، لأن أكبر شريكين تجاريين لها في العالم هما الولايات المتحدة وأوروبا. والركود فيهما سيتسبب في إضعاف النمو الاقتصادي الصيني.
أكبر مستثمر في أفريقيا هو دول الاتحاد الأوروبي، وإذا كان هذا الاتحاد يعاني من مشاكل اقتصادية فهذا بالتأكيد سينعكس على القارة السوداء ومشاكلها الاقتصادية ستزداد أكثر.
الإغلاق الحالي لعجلة الحياة عالمياً لهما ثمن اقتصادي مرتفع بكل تأكيد.
لكن إعادة الحياة لطبيعتها ما قبل ظهور الفيروس وانتشاره وقبل إيجاد التطعيم المناسب له، له أيضا أثمان كبيرة.
الى اليوم فقد أكثر من ربع مليون إنسان حيواتهم بسبب الفيروس. كان من الممكن بالطبع إنقاذ عشرات الآلاف منهم لو اتخذت بعض الدول مثل الولايات المتحدة وإيطاليا وفرنسا واسبانيا إجراءات السلامة مبكراً، لكنها لم تفعل.
أرقام الضحايا هذه في وضع فيه تقريباً تعطيل كامل لوسائل النشاط الاجتماعي: مثلاً، المصانع، المدارس، المقاهي، مراكز التسوق، والموصلات العامة جميعها معطلة.
إعادة الحياة لطبيعتها قبل اكتشاف العلاج تعني بكل تأكيد المغامرة بمضاعفة أعداد الضحايا. يعني القبول بموت الملايين من البشر.
البعض قد يكون محظوظاً ويستمر بعمله من البيت، لكن الفئات الاجتماعية التي يعتمد عملها على وجودها في المصنع، في المحل التجاري او في المطعم، ستكون جميعها عرضه للإصابة بالفيروس.
الأطفال في الحضانات، طلاب المدارس والجامعات سيكونون في وضع صحي فيه مخاطر كبيرة على حيواتهم.
الداعون لفكرة إعادة الحياة لطبيعتها ينطلقون من قاعدة أن الوضع الحالي لا يمكن له أن يستمر لأن فيه ضربة ساحقة للاقتصاد، وهم يعتقدون بأن مواجهة الفيروس فيه كلفة بشرية يجب تقبلها من أجل استمرار الاقتصاد.
بعض هؤلاء ينتمون لمعسكر اليمين المتطرف الذي انتشر في أوروبا بعد الازمة الاقتصادية التي حلت بالعالم العام 2008 ومن ثم انتقل نفوذه الى الولايات المتحدة، وكان من نتائج سعة انتشار أفكاره نجاح الرئيس الأميركي الحالي ترامب في انتخابات العام 2016.
وبعض هؤلاء ينتمون للوسط، وهم يقولون بأن الدولة مهما كانت قدراتها لا يمكنها أن تتحمل استمرار وضع الاغلاق الحالي.
الدولة بحاجة للأموال حتى تستمر بالعمل وتقديم الخدمات. هؤلاء يوازنون ما بين الفتح الكلي للاقتصاد وما قد يترتب عليه من نتائج كارثية وما بين الفتح الجزئي له وانتظار النتائج قبل السماح بإعادة الحياة لطبيعتها إن كانت النتائج مشجعة.
البعض الآخر يدعو الى استمرار الاغلاق الى أن يتم إيجاد حل لمشكلة الفيروس سواء بالتطعيم أو بمحاصرة الفيروس كما حدث في الصين.
لكن هؤلاء لا يقدمون أيضا حلاً للمشكلة الاقتصادية التي تتفاقم يومياً. هم يعتقدون أن الدولة بإمكانها أن تستمر بعملها بضعة أشهر أخرى على الأقل قد يتمكن العلماء خلالها من إيجاد التطعيم أو محاصرة الفيروس والقضاء عليه باتباع إجراءات وسائل التباعد الاجتماعي.
يختفي من النقاش الحالي في تقديري مسألة مهمة:
أن النظام الاقتصادي الرأسمالي بشكله الحالي هو نظام ظالم لا يجب العودة له لأن الضغوط من أجل فتح الاقتصاد رغم المخاطر، سببها تمكين صاحب البيت من دفع إيجار بيته وفواتير مصاريفه المتعلقة بالكهرباء والمياه والاتصالات والمواصلات والتعليم والعلاج الصحي، وهذه الخدمات يجب ان توفرها الدولة لمواطنيها بأسعار محدودة لأنها أساسيات للحياة لا يتمكن الانسان من الحياة بدونها.
هذه الخدمات لا يجب أن تكون عرضةً لاقتصاد السوق المبني على العرض والطلب، ولكن يجب أن تكون جزءاً من منظومة الحقوق الاجتماعية للمواطن، مثلها مثل الحقوق المدنية والسياسية.
الغريب أن احداً لا يناقش ذلك في الغرب وكأنه تم التسليم بأن الحقوق الاجتماعية لا مكان لها في رزمة الحقوق التي يتكرم النظام الرأسمالي على الناس بها، وغياب هذا البعد عن النقاش يحتاج الى تفسير: ربما يعود سببه الى حالة الموت التي تعرضت لها الأحزاب الاشتراكية بعد نهاية الحرب الباردة بعد انتصار الرأسمالية فيها.
إذا حلت مسألة الحقوق الاجتماعية، فإن التفكير يجب أن ينصرف الآن— ليس الى مسألة فتح الاقتصاد من أجل إعادة كل ما كان الى سابق عهده، لأن في ذلك مخاطر كبيرة على حياة الناس—الى كيفية إعادة قطاعات الإنتاج التي تمكن الناس من الاستمرار بالحياة فقط، وليس الى قطاعات الإنتاج الكمالية التي يمكن للناس أن تستغني عنها حالياً.