يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد إتخذ قراراً بألإنتقال في تعامله مع التواجد ألعسكري الإيراني في سوريا من مرحلة ضرب ومنع التموضع إلى مرحلة جديدة قوامها وضع أيران أمام ثلاثة خيارات صعبة إما ان تسحب قواتها من سوريا او أن تستمر في تلقي الضربات الإسرائيلية التي باتت مكلفة مادياً وبشرية او المغامرة بالدخول في حرب شاملة ليس مع إسرائيل فقط بل ولربما مع أمريكا ايضاً.
وتنفيذاً لهذا القرار فإن الغارات الجوية والصاروخية التي تشنها إسرائيل على سوريا باتت تتم في فترات متقاربة جداً وتتم بتنسيق مع الولايات المتحدة الامريكية من دون ان يكون للروس علم مسبق بها لمنع التصادم الجوي كما كان يحصل فب السابق بدليل ان الغارة الاخيرة التي شنت على مركز البحوث العلمية في حلب وأدت الى تدمير مخازن لأسلحة قيل انها وصلت للتو من أيران نفذتها طائرة إسرائيلية من طراز إف-35 مستخدمة ممراً جوياً من فوق قاعدة التنف التي تسيطر عليها القوات الامريكية.
والخطير في أمر هذه الغارات أنها لم تتوقف حتى في أوج إنتشار كورونا في إسرائيل الأمر الذي يؤكد بأن إسرائيل لم تأخذ في حساباتها مطلقاً أي إحتمال لرد من محور المقاومة على تلك الإعتداءات.
بل وأكثر من ذلك فقد لاحظ المراقبون السياسيون أن الجيش السوري وما كان يعرف بغرفة عمليات القوى الحليفة لسوريا لم تعد تصدر حتى بيانات كما كانت تفعل سابقاُ في اعقاب كل غارة إسرائيلية تهدد فيها برد عسكري قوي وموجع في حال واصلت إسرائيل شن إعتداءاتها على الاراضي السورية ناهيك عن ان الروس ايضاً لم يعودوا يصدرون بيانات تدين تلك الغارات كما كانوا يفعلون في السابق.
السؤال الذي يطرح نفسه ما هو المتغير الذي حدث وجعل لنتنياهو يتمادى في تطاوله على سوريا رغم ان إسرائيل لا تريد بالتأكيد تدحرج الأمور إلى حرب شاملة؟ هل لذلك علاقة بضغوط روسية؟ أم أن ألاوضاع الداخلية ،السياسية والإجتماعية والصحية الصعبة التي تجتازها بلدان محور المقاومة والناجمة في الأساس عن مؤامرات التحالف الصهيو-امريكي -الرجعي العربي ونظام العقوبات الترامبي وحصار أيران وإنتشار وباء كورونا هي التي تضغط على دول وقوى محور المقاومة وتمنعها من الرد على الإعتداءات الأسرائيلية؟ لأن الرد في الوقت الحاضر قد يؤدي الى إندلاع حرب شاملة تحدد إسرائيل زمانها ومكانها.
قبل الإجابة لا بد من الإشارة إلى إن اسرائيل لا زالت وكما كانت لا تريد التورط في حرب شاملة وعلى كل الجبهات مع محور المقاومة لانها ببساطة لا تستطيع ضمان الإنتصار فيها ولا تقوى على تحمل نتائجها لأسباب عدة من ابرزها أن الحرب تعني سقوط عشرات الآف الصواريخ الدقيقة وغير الدقيقة على اسرائيل، مما قد يؤدي إلى تدمير مطارات وقواعد جوية وبالتالي إلى تحييد سلاح الجو الاسرائيلي مما سيمكن حزب الله من تنفيذ تهديد سابق له بإجتياح الجليل وربما ما هو ابعد من الجليل. .
ناهيك عن ان الجبهة الداخلية الاسرائيلية غير جاهزة لمواجه من هذا النوع بسب عدم كفاية الملاجئ من ناحية وعدم المقدرة على مواجهة الحرائق التي ستنجم عن سقوط عشرات الآف الصواريخ الدقيقة وغير الدقيقة عليها وهي التي لم تستطع في السنوات السابقة مواجهة حرائق غابات صغيرة ومتوسطة من ناحية ثانية هذا بالإضافة الى عدم جاهزية الجيش الأسرائيلي نفسيا ومعنوياًً للحرب.
كما ان امريكا ليست افضل حالا من إسرائيل في هذا المجال لأن ايران تحديداً ورغم الدمار الذي سيلحق بها في حال نشوب الحرب إلا انها قادرة بما تملكه من زوارق بحرية سريعة وصواريخ بحر بحر وصواريخ ارض ارض دقيقة ونظومات دفاع جوي متطورة وطائرات بدون طيارعلى الرد واغراق بوارج وحاملات طائرات وتدمير قواعد عسكرية امريكية منتشرة في دول الخليج وما جرى من إسقاط لطائرة جلوبال هوك وفي عين الاسد بعد إغتيال قاسم سليماني اكبر دليل .
على هذا الضوء فإن عربدة اسرائيل في سوريا سببه ليس الروس وإنما عدم وجود قرار لدى محور المقاومة بالرد عليها عسكريا ًوبالتالي شل يدها وردعها عن مواصلة اعتداءاتها المهينة وشبه اليومية على سوريا كما هي مردوعة في غزة مع المقاومة الفلسطينية وفي لبنان مع حزب الله.
وتحليلي الشخصي أن عدم الرد على الاعتدات الاسرائيلية على قاعدة موقع بموقع ومطار بمطار كما هدد ذات يوم السيد بشار الجعفري مندوب سوريا الدائم لدى الامم المتحدة هو الذي يفتح شهيتها لمواصلة إعتداءاتها على سوريا في حين ان الرد عليها بقوة ولو لمرة واحدة سيجبرها على وقف اعتداءاتها على سوريا وسيمنع الانجرار الى حرب شاملة تحدد هي زمانها ومكانها.
ولذلك فإن إسرائيل تلعب بالنار لانها وكما اعلن وزير دفاعها نفتالي نفتالي بينيتس قد إنتقلت في تعاملها مع الوجود الايراني في سوريا من مرحلة ضرب التموضع إلى مرحلة طرد القوات الايرانية من سوريا بالقوة مما قد يؤدي الى نفاذ صبر ايران الإستراتيجي واندلاع الحرب الكبرىالتي لا يريدها الجميع الآن وعلى المدى المنظور على الاقل.
ومع ذلك فإن إستمرار نتنياهو في إستفزاز أيران وأيذاء الكرامة القومية للسوريين هو لعب خطير بالنار لأنه قد يدفع بالدولة السورية وايران وبقية الحلفاء إلى الرد على الإعتداءات الإسرائيلية بضراوة وعنف وربما بالمبادرة الى شن الحرب ضد إسرائيل وضد القوات الامريكية في الخليج حتى لو ادى ذلك إلى إندلاع الحرب الكبرى بخيارها الشمشوني “.علي وعلى اعدائي يا رب”
في النهاية فإن الانباء الواردة من موسكو تشير إلى ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المشغول بإستطلاعات الراي العام التي تشير إلى تدني شعبيته بسيب تفشي وباء كورونا والأزمة الإقتصادية التي تمر بها بلاده لن يكون بمقدوره ان يمد يد العون لنتنياهو ومنع سوريا وحلفائها من الرد على أعتداءاته التي اصبحت ضارة بالمصالح الروسية ولا تطاق كما يشير المحلل السياسي الروسي واسع الإطلاع فاتشيسلاف ماتوزوف.
كاتب فلسطيني