جامعة هارفرد والتعليم عن بُعد..تفيدة الجرباوي

الإثنين 27 أبريل 2020 06:09 م / بتوقيت القدس +2GMT



استرعى انتباهي في الآونة الأخيرة أن بعض الجامعات في العالم تقارن، باعتزاز، تحوّلها السريع نحو التعليم عن بُعد، بسبب الظروف القاهرة لمحنة «كورونا»، بما تقوم به جامعة هارفرد في هذا المجال. لقد دفعتني تلك المقارنة، بالإضافة لشهرة جامعة هارفرد ومكانتها المرموقة ومواردها الضخمة، إلى تسليط الضوء على تجربتها في الانتقال الكلي للتعليم الإلكتروني منذ انتشار الوباء.
وقبل الدخول في حيثيات التجربة، تجدر الإشارة الى أن جامعة هارفرد التي تأسست العام 1636 هي أقدم الجامعات الأميركية، وأكبر جامعات العالم مساحة وأغناها. ففي العام 2019 بلغت قيمة وقفية الجامعة 40.9 بليون دولار، ووصلت مواردها المالية الى 5.5 بليون دولار، بينما بلغت مصروفاتها 5.2 بليون دولار. تعمل الجامعة بنظامي التعليم الوجاهي الذي تمنح من خلاله شهادات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، والتعليم المفتوح الذي تمنح من خلاله شهادات لكل مساق أو دورة مستكملة بنجاح. يزيد عدد طلاب الجامعة على 36 ألفاً بمن فيهم المنتظمون داخل الجامعة والمتعلمون عن بعد بنظام التعليم المفتوح، ولديها 18 ألف موظف بمن فيهم الأساتذة، وهي واحدة من عُصبة جامعات اللبلاب الثماني (رابطة تضم أهم الجامعات الأميركية)، وقد تخرج منها أشهر القيادات السياسية والاقتصادية بمن فيهم فرانكلين روزفلت وجون كيندي وهنري كيسنجر وباراك أوباما وبيل غيتس ومارك زوكربيرغ، والعديد من الفائزين بجوائز نوبل.
في الأساس، يستند نجاح جامعة هارفرد في التحول السريع والسلس للتعليم الإلكتروني إلى أربعة أسباب تتلخص في: أولاً، جاهزية بنيتها التحتية لهذا التحول بما فيها شبكة الإنترنت ذات السعة والسرعة المناسبتين، والبرمجيات الملائمة، ومنصة التعليم المفتوح إيدكس (edx) التي أطلقتها الجامعة، بالتعاون مع معهد ماساشوستس للتكنولوجيا العام 2012، ومكنتها من طرح آلاف المساقات والدورات التدريبية المجانية عبر العالم. ويتمثل السبب الثاني في خبرتها المتقدمة في العمل بنظام التعليم المفتوح الذي أسسته في العام 1997، وما رافق ذلك من توفر الخبرات الغنية ممثلة بالطواقم الإدارية والفنية، كطواقم مركز تكنولوجيا المعلومات الرقمية، ومركز التعليم المستمر، والمكتبة الرقمية. ويشكل التعاون المنهجي الوثيق بين مراكزها وكلياتها السبب الثالث، حيث تتضافر جهود مركز تكنولوجيا المعلومات المتخصص في الحفاظ على أمن وسلامة المعلومات وبناء وصيانة الشبكات والمنصات والبرمجيات، ومركز التعليم المستمر المتخصص في إعداد المحتوى التعليمي وتقييم مستوى التحصيل وتدريب الأساتذة، وكليات الجامعة المتخصصة في إعداد محتوى تخصصي للمساقات المطروحة كالطب وإدارة الأعمال والتربية. ويتمثل السبب الرابع في وضوح الرؤية بأهمية إحداث هذه النقلة من قبل الإدارة العليا واستجابتها السريعة بإعداد خطة طوارئ وتقديمها للدعم والتحفيز اللازم.
على الرغم من توفر الإمكانيات الضخمة، تفاجأت جامعة هارفرد، كبقية المؤسسات في العالم، بسرعة انتقال الجائحة وشدتها، وبتعدد جوانب الغموض المتعلقة بأسبابها، وطرق انتشارها، وبالسقف الزمني لانتهائها لعدم توفر أدوية العلاج وأمصال الوقاية منها. وفي ظلّ قرار الجامعة بإغلاقها في الثلث الأول من آذار الماضي، كان عليها تحويل التعليم برمته، في غضون أسبوعين، إلى التعليم الإلكتروني. وقد نجحت بذلك منفذّة بنود استراتيجياتها ضمن خطة الطوارئ، أدناه، والتي سارعت في إعدادها، في نهاية شهر شباط، ونفذتها بقيادة مركز تكنولوجيا المعلومات، بالتعاون مع الكليات المتخصصة ومركز التعليم المستمر. وهذه الاستراتيجيات هي: 
أولاً: زيادة قدرات البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات، حيث تمت مضاعفة قوة الشبكة الخاصة (VPN) بمقدار أربع مرات، وتفعيل المنصة الخاصة بالرسائل الفورية لإتاحة الفرصة للطلبة والمعلمين والموظفين للتواصل الفوري، وزيادة قدرة أنظمة تقديم خدمات المساعدة (help desk services)، كما تم التواصل مع مقدمي الخدمات ذات العلاقة لضمان استمراريتها. وللتأكد من استمرارية عقد الحصص والاجتماعات في مواعيدها، قامت الجامعة بزيادة قدرتها على تقديم خدمات التواصل الإلكتروني عبر تطبيق «زووم»، وتوسيع نطاق التدريب على استخدامه ليشمل 600 شخص إضافي. وتم اتخاذ جميع التدابير للتأكد من سلامة وأمن المعلومات. وفي الأسبوع الثاني من تنفيذ الخطة، تمكنت الجامعة من عقد ما يزيد على 73 ألف حصة واجتماع شارك فيها ما يزيد على 630,000 شخص، محقّقة بذلك نجاحاً باهراً في إعادة العملية التعليمية الى مسارها، عن بعد. 
ثانياً: إعداد مصادر التعلم والتدريب. فبالإضافة للمصادر التربوية الكثيرة المتوفرة عبر الشبكة، في سياق دورات التدريب القصيرة والمساقات المطروحة على منصة «ايدكس» للتعليم المفتوح، استحدث مركز التعليم المستمر في الجامعة مصادر تعلم جديدة تلبي احتياجات جميع التخصصات والتدريبات ذات العلاقة، وتم وضعها على الشبكة لاستخدام الطلبة والأساتذة والموظفين. كما تم تقديم إرشادات لكيفية الوصول إلى المراجع عبر مكتبة المصادر الإلكترونية في الجامعة.
ثالثا: تدريب الأساتذة والطلبة، بطريقة منهجية، لإكسابهم مهارات استخدام التعليم والتعلم الإلكتروني. في هذا السياق، أعدّ قسم الدراسات العليا في التعليم رُزماً تدريبية مدعمة بمصادر التعلم والفيديوهات ونشرَها على الشبكة. تحتوي رزمة الأساتذة على ستة أنواع من الإرشادات: معلومات عامة للانتقال للتعليم الإلكتروني، والممارسات الفضلى في التعليم الإلكتروني بما فيها أساليب التدريس وكيفية تحفيز الطلبة على التفاعل الإيجابي، واستخدام منصات «زووم»، و»كانفس» (Canvas) وأدوات التعليم الإلكتروني، وكيفية الوصول للمحتوى الرقمي عبر التفاعل المباشر مع موظفي المكتبة الإلكترونية، وملاحظات الزملاء حول تجربة التعليم الإلكتروني، ومساعدات إضافية حسب الحاجة. تحتوي رزمة الطلبة على نفس أنواع الإرشادات مع تبديل جزئية إرشادات الممارسات الفضلى في التعليم الإلكتروني، بإرشادات حول استخدام الممارسات الفضلى في التعلم عن بعد.
رابعاً: توعية المجتمع وبناء صموده ومساعدته على التكيف مع التغيرات الفجائية التي صاحبت انتشار الفيروس. خصصت كلية الدراسات العليا في التعليم سلسلة من الدراسات التي ما زالت تُنشر على موقعها. تناولت الدراسات التي صدرت تحت عنوان «معلومات مفيدة» مواضيع تربوية متعددة تضمنت دور القيادات التربوية في تقديم الدعم اللازم للمدارس والأهالي والمجتمع، والتعليم عن بعد والتعلم من البيت، وتخفيف حجم القلق لدى الأطفال ومساعدتهم على التكيف، والتعاطف مع الضعفاء، والاهتمام بتلبية احتياجات الجيران لتجنب العزلة. وما زالت المجلة اليومية الإلكترونية «هارفرد جازيت» Harvard Gazett تنشر سلسلة من المقالات والرؤى المعدة من قبل أخصائيين في علوم الأوبئة والأمراض المعدية والاقتصاد والسياسة، حول أحدث المستجدات المتعلقة بجائحة «كورونا».
بالملخص، وبفضل الإرادة القوية، ووضوح الرؤية والتخطيط المنظم، وسرعة الاستجابة، وتوفر الإمكانيات والخبرات، وتضافر الجهود، تخطت جامعة هارفرد العديد من التحديات غير المسبوقة وحولت نظامها التعليمي برمته الى التعليم الإلكتروني عن بعد.
في النهاية، تجدر الإشارة الى أن العديد من جامعات العالم قد نجحت في التحول الكلي للتعليم الإلكتروني أثناء جائحة «كورونا»، وذلك بفضل جاهزيتها العالية وتنفيذها لخطط طوارئ شبيهة بما قامت به جامعة هارفرد. في المقابل، ليس من العدل مقارنة تجربة جامعة هارفرد بالكثير من جامعات العالم ذات الاستعدادات الضعيفة التي تفتقر للإمكانيات الداعمة لمثل هذا التحول. وعلى الرغم من ذلك، يبقى تسليط الضوء على جامعة هارفرد، كمثال لتجربة ناجحة، أمراً مهماً لتحفيز التأمل وأخذ العبر ومراجعة التوجهات الاستراتيجية وتعديل الإجراءات التي ترفع من جاهزية الجامعات التي تختار الانتقال للتعليم الإلكتروني عن بُعد.