التغيير الكوني حتمي نتيجة وباء كورونا المستجد، ولكن مقدار هذا التغيير وعمقه سيتوقف على النقطة التي ستشكل بداية طريق العودة. أي السيطرة على الفيروس ولو جزئياً والبدء في محاولة العودة إلى وضع طبيعي. هناك بعض التغيير حدث بالفعل ولعل أبرزه هو تقطع أوصال العالم وانتهاء السفر والتنقل وكسر سلسلة الإمداد الاقتصادي، وكأن العالم لم يعد تلك القرية الصغيرة التي كان عليها، ثم الغياب التام للولايات المتحدة عن المسرح الدولي وعدم لعب أي دور قيادي في مواجهة الوباء. سخريات القدر أن الفراغ الذي خلقه هذا لم تتم تعبئته، على الأقل ليس بالكامل، من قبل أي جهة أخرى، بما في ذلك الصين.
تغيير آخر هو عودة المواطن للدولة، بسبب إحساس المواطن أن ما يحميه من الفيروس، ما يقف بينه وبين الخطر هي الدولة ومؤسساتها بما في ذلك الجيش والشرطة وأجهزة الأمن. والحماية هنا ليست فقط بالمعنى الصحي وإنما أيضاً بمعنى الأمن الشخصي وحتى الأمن الاجتماعي وربما الاقتصادي. في العالم الثالث ستعمل هذه الظاهرة لصالح الأنظمة التوتاليارية وفي الشمال ستعمل لصالح الدولة الوطنية على حساب الكيانات العابرة، مثل الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال.
التغييرات المحتملة كثيرة منها التغييرات الاجتماعية السياسية، ويبدو لي أن بعضها بدأ بالاتضاح. مثلاً انحسار دور المجموعات الدينية المتشددة، وهذا بسبب الدور السلبي الذي لعبته المجموعات المتشددة في نقل الفيروس وتجاهله وبالتالي تفاقم المشكلة ولأنها لم توفر الحماية الإلهية التي كان يأملها المواطن العادي. باختصار لم تقدم جواباً مهماً كان نوعه.
يبدو أيضاً أن المرأة ستخرج رابحة من هذه الجائحة. لأنها ببساطة أكدت خلالها دورها الريادي الواضح في تحمل معظم المسؤوليات. أكدت لأن هذا كان دائماً واقع الحالة، على الأقل في معظم المجتمعات، ولكن ما حدث أكد هذا الدور مرة أخرى. البقاء في المنزل كان معناه أن المرأة ستقوم بمهامها المعتادة بالإضافة إلى تدريس الأولاد وتوفير أجواء معيشية معقولة لعموم العائلة، عندما لا يخرج الرجل من المنزل وعندما لا يعمل تصبح المرأة من يقوم بكل المسؤوليات. الطريف أن بعض الجهات تحدثنا وبأرقام عن الوضع الأفضل للدول التي تقودها نساء بالمقارنة مع الدول المشابهة لها.
ربما في بعض المجتمعات المحافظة لن ترى الظاهرة لآخرها، ولكن في بعض المجتمعات الأخرى يبدو هذا محتوماً أن تذهب المرأة إلى مواقع تأكيد دورها القيادي وقدراتها المستقلة. نموذج العمل الذي فرضته الجائحة في بعض الدول، خاصة المتقدمة، وهو نموذج العمل من البيت عبر الشبكة، إضافة لغياب السفر والتنقل. هذا النموذج يبدو أيضاً أنه سيخدم المرأة العاملة.
اقتصادياً هناك بحر من التغييرات، أولها وأهمها وأعمقها تأثيراً هو توقف العمال عن العمل بسبب الحد من الحركة، الأمر الذي يعني أنهم سيبقون دون مصدر رزق. ولهذا، خاصة إذا استمر لفترة أطول من الممكن، آثار خطيرة وعريضة. ليس فقط اقتصادياً وإنما أيضاً اجتماعياً. تأثيرها السلبي على العمل الطبيعي لمؤسسات الدولة وعلى النسيج الاجتماعي والذي قد يصل لحد تدميره ولحد انتشار الفوضى وإطلاق أسوأ غرائز الإنسان. الدول تحاول التقليل من المضار عبر تخصيص برامج مالية لمعالجة هذا الأمر جزئياً. لكن النتيجة النهائية ستتوقف على طول فترة التوقف عن العمل، وحتى عندما يبدأ العمل سيكون ذلك بشكل متعثر وغير منظم. الدول نفسها ستتأثر اقتصادياً، سيكون هناك انكماش في النمو في معظم دول العالم وسيكون هذا هو التحدي الأكبر للدولة وللنظام الدولي. بعض دول العالم الثالث ستتضرر أكثر من غيرها وربما لفترة طويلة، بما في ذلك الشرق الأوسط، خاصة تلك الدول غير النفطية هناك، ـو حتى الدول النفطية المنهوبة. الاقتصاد العالمي سيتضرر، اقتصاديات جميع الدول ستتضرر. الفارق سيكون في قدرة كل منها على تحمل الخسائر الكبرى.
البعد الثالث هو الضرر الكبير الذي سيلحق بالشركات، والسؤال المركزي هنا هو من سيتأثر أكثر الشركات الصغيرة والمتوسطة أم الشركات الكبرى. النظام القائم حتى الآن والذي يعمل لصالح الشركات الكبرى سيحاول كما هي عليه الحال دائماً الانحياز لها. ويبدو أن رزم الدعم الاقتصادي التي أقرتها معظم الدول والتي بلغت في الولايات المتحدة مثلاً 2,2 تريليون دولار وهو رقم فلكي بلا شك، يبدو أنها تنحاز للشركات الكبرى، أو لنقل سيكون من الأسهل على هذه الشركات الاستفادة من هذه الرزم الاقتصادية. بالمقابل فإن هذه الشركات والتي معظمها عابرة للحدود، أي شركات معولمة عانت بشكل خاص من انكسار أو انقطاع سلسلة التوريد الدولية، ويبدو الآن أن الموجة القادمة ستكون في غير صالح إعادة بنائها أو الحرص عليها لمصلحة بناء سلاسل توريد وطنية، أي أننا قد نشهد عملية توطين للاقتصاد على حساب الاقتصاد المعولم، وهي عملية حتى لو قامت بها قوى سياسية يمينية ستكون في غير صالح الشركات الكبرى، وستخدم ولو بغير قصد الشركات الصغيرة والمتوسطة، أو لنقل الشركات الجديدة التي ستشق طريقها في ظل النظام الجديد. في هذا السياق تبدو الشركات الكبرى العاملة في مجال التكنولوجيا بموقع خاص. إذ بينما ستتأثر بنفس طريقة تأثر الشركات الكبرى الأخرى، إلا أن تخصصها يجعلها تقف على حدة، أقل تأثراً على الأغلب، وأصعب من حيث التأثير عليها. التكنولوجيا المنفلتة بما في ذلك في مجالات مثل الذكاء الصناعي والتصنيع العضوي تنطوي على خطورة فائقة على البشرية عموماً، وربما يزيد خطرها عن خطر الرأسمالية المتوحشة المتمثلة بالشركات الكبرى في المجالات الأخرى غير التكنولوجيا. إذا كان لنا أن نأمل في عالم أفضل، فهو عالم يجب أن يكون أكثر عدالة على المستوى الوطني في الدولة الواحدة وعلى المستوى الدولي أيضاً، ولعل واحدة من الحلول هي توطين الاقتصاد أو مناطقية الاقتصاد، أي على مستوى الدولة أو المنطقة في إطار تعاوني بين مجموعة من الدول بدلاً من الاقتصاد المعولم الذي أصبحت فيه الشركات أقوى من الدول. هنا استمرار الاتحاد الأوروبي بشكله الحالي يبقى تحت علامة استفهام. وفي وقت ما بدا أن المستقبل قد يكون سلبياً، إلا أن بعض النجاحات في مجال التضامن المالي أعادت إمكانية بقائه. المنطقة العربية كافة ستعاني حتماً ولكن سيكون أمامها إمكانية العمل الجماعي والتكاملي، وإن كان هذا يحتاج لقيادة ذات رؤية حقيقية. نضيف إلى ذلك ضرورة وضع قيود جدية وكونية على عمل شركات التكنولوجيا لضمان استمرار البشرية.
الطبيعة تبقى هي الأساس، لا بد من احترامها ومراعاتها والحد من الاعتداء المستمر عليها. التغيير في المسلك البشري، وتوقف انبعاث ثاني أكسيد الكربون من فحم المصانع وعوادم المركبات الميكانيكية نتيجة كورونا المستجد، ترك آثاره الإيجابية على الطبيعة التي تنفست الصعداء لأنه حال دون تدمير الإنسان لها. يتحدث البعض عن ظهور الدلافين على السواحل الإيطالية وعن نقاء أجواء بكين والكثير من المدن الكبرى الأخرى، وعن تكاثر النباتات وسعادة الحيوانات. لا بد للإنسان أن يتعلم من ذلك، لا بد من اللجوء إلى مصادر الطاقة المتجددة وتعلم كيفية التأقلم مع الطبيعة والحفاظ على البيئة بدلاً من الاستخفاف بالطبيعة واحتقار البيئة مقابل المال والربح. كل ذلك بالإضافة إلى إعادة كرامة الإنسان وقدرته على الحياة الكريمة. القضاء على الفقر والاستغناء عن التراكم المجنون لرأس المال لصالح فئة صغيرة لا تعرف حقيقة ماذا تفعل برأس مالها. كارثة «كورونا» تشير إلى فرصة قد تكون متاحة للبشرية. لكن من دون رؤية صحيحة، ومن دون النضال الجدي على كل المستويات، تبقى إمكانية عودة الإنسان إلى ما كان عليه إمكانية قائمة، وعلى البشرية أن تمنع ذلك وعلى الأقل أن تستفيد من الكارثة ومن الثمن الباهظ الذي تم دفعه.
ماذا بعد بخصوص «كورونا» المستجد
السؤال الآن: ماذا بعد بخصوص كورونا. يبدو الآن أن المرحلة الأولى، مرحلة إجراءات العزل والحد من الحركة الهادفة إلى تقليل سرعة الانتشار وكسب الوقت لإعداد الحاجات الطبية، وربما لظهور مفاجآت سارة على صعيد العلاجات وربما لاحقاً (التطعيمات)، قد تم إنجازها في كثير من الدول. المرحلة الأولى كانت سهلة نسبياً بغض النظر عن آثارها الاقتصادية والاجتماعية. كانت تتطلب فقط بعض القرارات من أصحاب القرار.
ماذا الآن؟ وكيف سيمكن تنفيذ المرحلة التالية، مرحلة العودة للعمل ولعجلة الاقتصاد؟ الحل الحقيقي السحري هو إيجاد العلاجات حتى الجزئية منها وبالطبع اللقاحات التي لا تبدو أنها ستكون جاهزة قبل بداية العام المقبل 2021 أو نهاية هذا العام في أحسن تقدير. ماذا إلى حين ذلك؟ الحلول أكثر تعقيداً بالطبع، وستكون شبه مستحيلة للعالم الثالث، للجنوب. البعض يتحدث مثلاً عن إجراء فحوصات واسعة للغاية وفقاً لإستراتيجية محددة. البعض يتحدث عن فحوصات تستهدف تحديد أولئك الذين اكتسبوا مناعة ضد المرض واعتبارهم القادرين على العودة للعمل أولاً. البعض بدأ يتحدث عن بعض الأدوية التي يمكن استخدامها تحت المراقبة الصحية في المستشفيات فقط. جميع هذه الحلول ستمثل تحدياً هائلاً لأي دولة من دول الجنوب. البعض يقول أيضاً باحتمالية النشاط الموسمي للفيروس، أي أنه سيخبو في فترة الصيف ويعود للنشاط في فترة الشتاء المقبل. أمام كل هذا دول الجنوب التي بدت محظوظة أو مميزة من الخالق في المرحلة الأولى قد تكون في وضع أصعب بكثير في المراحل المقبلة.
الآن ونحن في حوالى منتصف نيسان، ما هي الأرقام في عالمنا؟ يبدو أن حالات الإصابة بلغت نحو 2,2 مليون إصابة وأن الوفيات بلغت نحو 150 ألف وفاة منها حوالى 35 ألف من الولايات المتحدة وحدها. الأرقام الحقيقية أظنها أعلى من هذه لأننا لا نعرف كل شيء، وهي في ارتفاع يومي في كل الأحوال. الآن أيضاً ومع مرور كل هذا الوقت ما زالت البشرية لا تعرف كل شيء عن كورونا المستجد. الواضح الآن أن الحل الجدي الوحيد الذي سيوقف الكارثة هو اللقاح الذي سيستغرق بعض الوقت. الآن أيضاً يبدو أن بعض دول آسيا بما في ذلك الصين قد تجاوزت الأسوأ. وأن بعض الدول الأوروبية قد بدأت مخططات الانتهاء التدريجي للإغلاق بعد أن تجاوزت ما تعتقد أنه قمة العدوى، وهي مرحلة أكثر تعقيداً من المرحلة الأولى. الآن تحتدم المعركة في الولايات المتحدة بين الرئيس ترامب الذي يريد إنهاء الإغلاق لأسباب اقتصادية وحكام الولايات الذين يريد معظمهم انتظار تراجع أعداد المصابين والوفيات الصادمة. الآن في الشرق الأوسط ما زال الأمر يبدو أنه تعرض لنسخة مختلفة من كورونا المستجد ولم تتعرض دول للفتك بالأرواح الذي رأته أوروبا مثلاً.
إذاً، ماذا بعد؟ لا نعرف تماماً، وإن كان هناك احتمال جدي بأننا قد نكون مقبلين على خفوت الوباء خلال موسم الصيف، وقد نكون مقبلين بعد ذلك على موجة ثانية من الوباء مع بدء الشتاء المقبل، أي قبل اللقاح والعلاج الجدي للوباء. عندها لا نعلم ما إذا كانت دول الشرق الأوسط ومن بينها فلسطين ستشهد أيضاً نسخة مخففة من الوباء. المعنى أنه قد يكون لدولنا فرصة ثانية وهو أمر نادر في الحياة. علينا نحن أيضاً في فلسطين أن نستعد، هذه المرة بشكل أكثر جدية بكثير من المرة الأولى. نأمل ذلك. إذا لم يحدث ذلك، وخبا الفيروس إلى أن يتم إيجاد اللقاح، دون أن يحدث موجة ثانية، لن نخسر شيئاً بسبب الاستعداد، وسنكون نحن والبشرية جمعاء في حال أفضل. الاحتمال الثالث والأخير هو ألا يخبو الفيروس أصلاً وأن يستمر وربما يزداد إلى أن نصل إلى اللقاح، أو مسكنات على الطريق. احتمال وارد وإن كنت أظنه أقل احتمالاً. إذا حدث كان الله بعون البشرية عموماً وسوف نعلم على الطريق.