تميزت الصين الشعبية في معركتها مع كورونا وتميز معها نظامها السياسي (نظام الحزب الواحد) على الأنظمة الديمقراطية الغربية، كما تميز معها نظامها الاقتصادي المختلط، على النظام الرأسمالي الغربي؛ فالصين رغم تبنيها للنظام الرأسمالي إلا أنها مازالت تمارس الاشتراكية (نظام الجمعية التعاونية) في أغلب البلاد باستثناء بعض المدن الكبرى، كما أن معظم الشركات والقطاعات الكبرى ووسائل الانتاج مازالت مأممة (أي مملوكة للدولة).
لقد سيطرت الصين بكل هدوء وعملت بصمت وبنظام محكم وضمن خطط منهجية ومدروسة ضد العدو الخفي الذي باغتها وحاول أن يغزو بلادها ولكن الحكمة الصينية والامكانيات المهولة ووقوف الجيش والشرطة إلى جانب المتطوعين من أعضاء الحزب الشيوعي حال دون ذلك، في المشهد المقابل كانت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة تقف موقف المتفرج واللامبالي والواثق من نفسه، بالرغم من صدور تقارير ومعلومات تفيد بأن هذا الفايروس لن يقف عند حدود الصين بل سيغزو العالم بأسره، وكان من المفترض أن تتجهز إلى ما هو آت، لكن هذه الأنظمة رغم إمكانياتها المهولة وقفت عاجزة ومتخبطة ومهزومة أمام هذا العدو الخفي سريع الانتشار واستقبلت الأزمة تارة بنظرية المؤامرة واخرى بالفوضى والتخبط، وبدأ صراخها يدوي في كل أرجاء الأرض، فقد شاهدنا كيف تخلى شمال الاتحاد الأوروبي عن جنوبه (ايطاليا، فرنسا، اسبانيا) بل تخلت جميع دول الاتحاد عن بعضها البعض، وتلاشت كل اتفاقيات العمل المشترك أمام أول عاصفة، أما الولايات المتحدة فحدث ولا حرج عن جثث الموتى التي تنقل بالآلاف وعن غرق النظام الصحي وعن المناشدات بالإغاثة وطلب تقديم المساعدة، والاتهامات المتبادلة مع المعارضة بالقصور، وغيرها من الأمور.
فهل هذا التميز للصين سيؤدي حتماً لسقوط النظام العالمي وسقوط العولمة والليبرالية بشقيها السياسي (الديمقراطية- الحرية الفردية) والاقتصادي (الرأسمالية- الملكية الفردية)، وهل سقطت نظرية فرانسيس فوكو ياما عن نهاية التاريخ السياسي بسيادة النمط الليبرالي على العالم، وظهور العولمة وأدواتها الاقتصادية والسياسية، أم سيبقى هذا النظام مع إجراء بعض التعديلات عليه، إن حتمية التاريخ تؤكد أن الدول تمر بعدة مراحل عمرية وقيمية، وباعتقادي أن هذه الدول وصلت مرحلة الشيخوخة، وإن النظام القيمي والاخلاقي لديها أصبح في الحضيض، كما أن نظمها الاقتصادية تعيش حالة انتعاش على حساب تخلف الدول الأخرى وتبعيتها، فهي تأخذ من الدول المنتجة للبترول المواد الخام وتعيده لها وللعالم بأسعار خيالية بعد تصنيعه، أما آن الأوان لهذه الدول أن تصبح دول صناعية !؟
إن النظام الصيني نظام الحزب الواحد المعبأ أيديولوجياً وصاحب النظام الاقتصادي المختلط أو النظام الرأسمالي المملوك للدولة كما يحلو للبعض تسميته أو تصنيفه، حيث يمارس الحزب الشيوعي الحاكم ما يسمى بالديمقراطية الشعبية أو الاجتماعية بين أعضائه الذين ينتخبون مؤتمرات المقاطعات وقيادتها، والتي بدورها تنتخب المؤتمر العام وقيادة الحزب وتجري الانتخابات من القاعدة إلى القمة، وتعمل قيادة الحزب على التعبئة الحزبية الشاملة لكل أعضائه، ويلتزم الحزب بكافة قرارات القادة التي تصدر بشكل مركزي، لقد أثبت هذا النظام صاحب التاريخ العريق والتجارب المتواصلة الذي يسيطر على كل مفاصل الدولة الأقدر والأجدر على تسخير كل وسائل الانتاج والتكنولوجيا وجميع امكانيات الدولة في مواجهة الأزمات التي ممكن أن تعصف بالدولة بالسرعة الممكنة للسيطرة والانتصار قبل فوات الأوان وهذا ما حصل في أزمة كورونا، فرغم مفاجأة الصين بالفايروس استطاعت السيطرة عليه دون أن تزهق مئات الالاف من الأرواح.
إن النظام العالمي الذي فقد هيبته ومكانته بعد أن اهتز وترنح أمام أول عاصفة، لا يمكن أن يستمر على حاله بعد أزمة كورونا دون تغيير جوهري على بعض مفاصله، ويمكن وضع ثلاث سيناريوهات للنظام العالمي الجديد:
السيناريو الأول: انتهاء النظام العالمي بشكله الحالي، وبناء نظام عالمي يهتم بالقضايا الانسانية، وليس بتغذية النزاعات بالتكنولوجيا العسكرية واشعال الفتن واهدار المال العالمي على حساب القضايا الانسانية والبدء في سباق نحو امتلاك اسلحة حماية الانسان بالعلم والمعرفة وتطوير المختبرات البحثية القطاعات الصحية ووقف سباق التسلح وامتلاك اسلحة دمار الانسان
السيناريو الثاني: تراجع الاتحاد الأوروبي والعمل الجماعي والعودة إلى النظام القطري أو قيام بعض التحالفات بين بعض دول الاتحاد، وتحالفات أخرى مع الصين وروسيا اللتين وقفتا مع ايطاليا وإسبانيا وغيرها من دول اوروبا في الوقت الذي تقاعس الاتحاد الأوروبي في تقديم المساعدات الانسانية للدول الأوروبية الموبوءة.
السيناريو الثالث: فوز الأحزاب الاجتماعية (الاشتراكية) في الانتخابات تحديداً في أوروبا التي تنادي بتأميم الشركات الكبرى، وسقوط الأحزاب الليبرالية، ونجاح الحزب الديمقراطي الأمريكي الذي سيهتم بالقضايا الانسانية، أو صعود أحزاب جديدة تتبنى القضايا الاجتماعية والانسانية.