رغم خطابات التهديد والوعيد التركية و التي اتسمت بالوقاحة السياسية والرد السوري المدعوم روسيًا إلا أن الأمور كما هو متوقع لن تذهب إلى أبعد من ذلك.
عام وبضعة أشهر على إقرار اتفاق سوتشي بين الجانبين الروسي والتركي والذي ينص على عدة بنود من أهمها إنشاء منطقة منزوعة السلاح بعمق 15 – 20 كم على طول خط التماس تكون خاضعة لمراقبة دوريات روسية تركية مشتركة وبالتالي اخراج جميع الفصائل العسكرية من تلك المنطقة تحت أي مسمى كان.
فتح الطريقين M4 ، M5 أمام حركة المرور بين حلب وحماة وحلب واللاذقية قبل نهاية 2018 وهو ما اقترحه الرئيس التركي رجب أردوغان.
إضافة إلى محاربة الإرهاب داخل سوريا بجميع أشكاله.
لم تلتزم تركيا مع الفصائل العسكرية بالمدة الزمنية لتطبيق بنود هذا الاتفاق ، بل لجأت كما العادة إلى التسويف وطلب المهل خلال هذه الفترة ، بالمقابل عملت روسيا على دعم التقدم التدريجي لقوات النظام في تلك المناطق مع إعطاء فرص في كل مرة للجانب التركي للالتزام بتطبيق بنود الاتفاق ، لتصل اليوم ( في ظل المماطلة التركية وانعدام المسؤولية لفصائل المعارضة فيما يترتب عليها من حماية حاضنتها الشعبية وحقن دمائها على أقل تقدير) ، للسيطرة الكاملة على الطريق الدولي M5 الرابط بين مدينتي حلب وحماة مع تأمينه عبر السيطرة على مسافة مناسبة على مجنبته ، فيما لاتزال العملية العسكرية مستمرة لتأمين مدينة حلب عبر السيطرة على ريفها الغربي القريب .
الصدمة التركية من هذا التقدم المستمر للقوات النظام دفعتها لاتخاذ عدة مواقف عاجلة آنية كان أهمها
– إعطاء مهلة للنظام السوري حتى نهاية شباط الجاري للانسحاب خلف نقاط المراقبة التركية في الشمال السوري، وإلا فإن الجيش التركي سيجبره على ذلك
– إرسال المزيد من القوات التركية داخل مناطق إدلب لإقامة نقاط عسكرية تركية غير واردة في اتفاق سوتشي على غرار النقاط التي أقيمت في سراقب وجنوب مدينة ادلب في محاولة منها لوقف عملية التقدم.
– مساندة فصائل المعارضة بالتخطيط والإمداد العسكري لهجمات مضادة على قوات النظام في المناطق التي سيطرت عليها حديثًا كما حدث في النيرب بغية اعادة السيطرة عليها .
– الإيعاز للوسائل الإعلامية بتسريب أخبار (غير دقيقة ) عن تزويد المعارضة السورية بمضادات طيران بأعداد لا بأس بها من شأنها ارباك حركة الطيران السوري في المنطقة .
– زيادة الحراك الدبلوماسي على جميع الجبهات وخاصة مع الحلفاء في الناتو بهدف تشكيل جبهة دولية ضاغطة لإيقاف تقدم القوات إلا أن موقف الناتو و الموقف الأمريكي على وجه الخصوص أتيا بصيغة خجولة اقتصرت على حض الطرفين السوري والروسي لوقف الهجمات على ادلب .
– قصف مواقع قوات النظام لأحداث حالة ارتباك وبالتالي إيقاف العمليات العسكرية .
ولا تشير هذه الخطوات إلا لانعدام الرؤية الاستراتيجية الواضحة للسياسة التركية فيما يتعلق بملف إدلب على أقل تقدير بل تعتمد في اتخاذ خطواتها على الفعل ورد الفعل .
لذلك فكل ما سبق أدى إلى نتائج سياسية وعسكرية معاكسة لما كان يرغب به الجانب التركي .
وما زاد من تأزم الموقف التركي هو مقتل عدد من الجنود الأتراك نتيجة قصف مواقعهم من قبل القوات السورية ردا على قصف قامت به القوات التركية لعدد من المواقع العسكرية السورية في منطقة العمليات، يضاف إلى ذلك الموقف الروسي الحازم في المضي قدما بهذه العملية العسكرية ودعهما عسكريًا وسياسيًا .
و أمام هذا التصعيد الخطابي التركي يبقى السؤال عن الخيارات المتبقية أمام الجانب التركي ،
في الغالب لن تتراجع القوات السورية عن المواقع التي اعادت السيطرة عليها مؤخرًا بل على العكس ستعمل على تثبيت مواقعها الجديد مع تسهيل عمل نقاط المراقبة التركية فيها . لتحاول تركيا التفاوض على فرصة أخرى لتطبيق اتفاق سوتشي في المنطقة (2) الواقعة جنوب الطريق M4 حتى لا يؤول مصيرها لمصير المنطقة الواقعة شرق الطريق M5 ، من تسير دوريات وسحب السلاح الثقيل منها إلى شمال M4 بحوالي 5 – 10 كم عن طريق فرضها بالقوة عبر القوات التركية التي دخلت إلى الشمال السوري
وهو ما يجب أن تقتنصه روسيا مع شرط اعادة افتتاح مؤسسات الدولة السورية في تلك المنطقة تحديدًا مع إمكانية تنفيذ عمل عسكري في حال فشل المحاولة التركية الأخيرة .
أما المناطق الواقعة شمال وغرب الطريقين الدوليين بمسافة ٣٠ كم من الحدود (1) فستقوم تركيا بإعادة ترتيب الأوراق فيها بانتظار الحل السياسي ، على أن تكون هناك مهلة لاغلاق ملف الفصائل والجماعات الارهابية والغير سورية على وجه الخصوص .*
أما السيناريو الثاني فهو الصدام العسكري مع النظام السوري والذي ان حدث فسيكون الموقف الروسي في أفضل الأحوال بالنسبة للأتراك هو الوقوف على الحياد مع عدم السماح للقوات التركية باستخدام سلاح الطيران ، في هذه الحالة لن تستطيع تركيا بكل تأكيد تحمل تكلفة هذه الحرب على جميع الأصعدة خاصة البشرية والاقتصادي والسياسي ، أمام النظام السوري الذي ليس لديه ما يخسره يسانده حلف ممتد من بيروت إلى طهران أثبت صلابة موقفه خلال 9 سنوات من الحرب السورية .
السيناريو الثالث هو انصياع النظام للتهديدات التركية وانسحابه خلف نقاط المراقبة التركية مع عودة مؤسسات الدولة السورية لممارسة عملها في هذه المناطق لكن هذا السيناريو صعب التحقق بسبب الدفعة المعنوية التي اكتسبها النظام جراء رده الحاسم على القصف التركي ، إضافة إلى يقينه أن التركي لن يقدم على حماقة غير محسوبة العواقب أقلها على صعيد الداخل التركي .
و بين هذه السيناريوهات تقف أعداد مهولة من الضحايا السوريين العالقين بين فكي كماشة أحد طرفيها نظام شرد وقتل جزء من شعبه و معارضة مرتزقة غير مسؤولة همها تحقيق مكاسب شخصية فقط .