منذ إعلان الرئيس توجيهه الدعوة لانتخابات المجلس التشريعي يتواصل الحوار والجدل حول الموضوع.
اللافت، انه باستثناء لقاء عقدته لجنة الانتخابات المركزية مع ممثلي مؤسسات المجتمع المدني، تبدو الصورة العامة وكأن الناس، المواطنين - الجماهير- كما يحلو للتنظيمات ان تناديها-لا علاقة لها بالانتخابات ولا دور.
وكأن الانتخابات شأن خاص بالتنظيمات السياسية فقط وحصراً. ويكاد ينحصر الحوار والجدل، كما المشاريع والاقتراحات بكل أشكالها ومستوياتها في التنظيمات السياسية. لا فرق إن صدرت بشكل منفرد عن تنظيم بعينه أو عن أكثر من تنظيم. وسواء جاءت على شكل وجهة نظر عامة حول الانتخابات من موقع الموافقة او الرفض او الاشتراط، او جاءت على شكل مقترح برنامجي متوافق عليه بين عدد من التنظيمات.
هذه الصورة، وبشكل صريح، تجاوزٌ من التنظيمات على حق نظامي شرعي وطني اول وأساسي للناس -أهل الوطن.
صحيح ان هذا الأمر يكشف ضعف حال الحركة الجماهيرية وضعف دورها وتأثيرها بتعبيراتها المجتمعية: المحلية والشعبية والنقابية، لكن الصحيح أيضا، انه يكشف دور ومسؤولية التنظيمات السياسية في الوصول الى هذا الحال، كما يكشف استكانتها الى استمراره.
هذا، مع الإقرار بتفاوت نسب المسؤولية، وعن كونها أولية ومباشرة، او بالموافقة والسكوت، او انها تعبير عن عدم القناعة الفكرية بحركة الجماهير المنظمة وحقوقها ودورها لدى البعض.
لقد ظلت قاعدة « التوافق» هي السائدة بين التنظيمات الفلسطينية في تشكيل قيادة منظمة التحرير (اللجنة التنفيذية)، وهيئاتها التشريعية (المجلس الوطني، والمجلس المركزي). لكن مع قيام السلطة الوطنية على مناطق من الوطن الفلسطيني فقد أصبح من الطبيعي ان تعود الأمور الى مواطني هذه المناطق وحقهم في اختيار ما يمكنهم من هيئاتهم التمثيلية والقيادية (المجلس التشريعي والرئاسة) وقد حصل ذلك بنجاح في تجارب سابقة، وحصل من موقع التنافس الديموقراطي وليس من موقع التوافق.
أما المجلس الوطني وعضويته، فيجب ان تخضع أيضا للانتخابات الشعبية، لكن مع ترتيبات تضمن حق المشاركة فيها لفلسطينيي الشتات والمهاجر، وهذا امر يحتاج الى ترتيب أكثر ووقت أطول. وبالتأكيد فان نجاح الانتخابات التشريعية، والرئاسية أيضاً، في ارض الوطن سيلعب دوراً فاعلاً ومؤثراً في تسهيل اجرائها.
بعد تحريم الانتخابات لجهة المبدأ، إذا لم تشمل الدعوة لها كل مناطق السلطة الوطنية، والقدس في أولها، يصبح ممكناً الجدل حول ترتيب الأولويات.
هناك فريق من التنظيمات يصر بدرجة تصل الى الاشتراط على ان يسبق الانتخابات التوصل الى توافق وطني شامل على كل الأمور ومنها الانتخابات. وكان الأفضل لو كان الشرط هو تحديد موعد الانتخابات الرئاسية بعد شهور قليلة من انتخابات المجلس التشريعي.
يقابله فريق لا يرفض فكرة التوافق الوطني، لكنه لا يقبل ان تكون شرطاً مسبقاً واجب التحقق قبل الانتخابات، وهذا ما يضعنا امام ما يشبه جدل الأسبقية: للبيضة ام للدجاجة.
لا شك أن أغلبية تنظيمات الفريقين خالصة النية في قناعاتها ومواقفها، لكن ذلك لا يلغي إمكانية الشك بنوايا البعض أن تمترسه وراء شروطه هو للهروب من الانتخابات وضرورة اجرائها، مدفوعاً الى ذلك بأسباب سياسية وسلطوية ومنفعية خاصة، وربما لعدم القناعة بإجرائها في أي فترة لعدم إيمانه بالفكرة من اصلها.
ليس هناك وطني واحد لا يرى الضرورة الوطنية الملحة لرؤية التفاهم الوطني يتحقق عميقا وفاعلاً وشاملاً لكل المجالات وعلى كافة المستويات اليوم قبل الغد، ولا يرى ويعيش المخاطر المصيرية على الوطن وأهله التي تلحّ لإنجاز ذلك.
لكن، الرؤيا الواقعية تكشف الحقيقة بكل قسوتها ومرارتها والتي تؤكد ان تحقيق التوافق الوطني ليس في متناول اليد ليتم تأجيل الانتخابات حتى اكتمال تحققه.
وأي استعراض سريع لكل اتفاقات التفاهم التي تم التوصل اليها منذ اتفاق أسوار الكعبة الى اتفاق القاهرة 2017 وفشلها كلها، يؤكد هذه الحقيقة. ويزيد تأكيدها ان الخلافات أصبحت أكثر تجذراً وتعقيداً، وقد دخلت عليها المطامح السلطوية والمصالح النفعية.
والحال كذلك،
لماذا... لا تكون الانتخابات العامة الديمقراطية والنزيهة التي يشارك فيها الكل الوطني هي المدخل لتفاعل وطني عام على ارض الواقع والممارسة.
لماذا لا يكون النجاح في اجراء الانتخابات إنجازاً وطنياً على درب تحقيق التوافق الوطني الشامل؟
لماذا لا تصبح الهيئة التي تنتج عن الانتخابات (المجلس التشريعي) ساحة أساسية للتعاون الوطني المباشر حول دورها ومهماتها؟ وساحة أيضاً، لمواصلة الحوار المسؤول والهادف لتحقيق ما لم يتم تحقيقه من التوافق الوطني المنشود؟
ولماذا إذا لم يتحقق الاتفاق حسب ما تقدم، لا يُعاد الأمر لحكم الناس أصحاب الحق الأول في الفصل والتقرير؟ ولتكن الانتخابات الديمقراطية والنزيهة وأصوات الناخبين واختيارهم، هي الحكم والفيصل بين الأطراف، وبرامجهم ومواقفهم، ومواقعهم من المسؤولية أيضاً.
أليست هذه هي القاعدة الديمقراطية التي تقرها وتنضبط لها كل بلاد العالم وشعوبها وقواها وأحزابها على اختلاف اتجاهاتهم السياسية؟
هذه القاعدة:
تشترط ...قبول جميع الأطراف بالانتخابات وبنتائجها: من شارك ومن قاطع.
وتشترط ...الإيجابية والحيادية المطلقة، وعدم التدخل بالعملية الانتخابية بأي شكل ومسمى. وبالذات، عدم استعمال قوة الأمر الواقع في اي منطقة معينة لمنع اجراء الانتخابات فيها.
وتشترط ...أعلى درجات النزاهة والشفافية. ويفضّل استدعاء مشرفين ومراقبين لسير العملية الانتخابية من دول شقيقة وصديقة ومن هيئات ومنظمات دولية مختصة.
ليس من هو أحق وأحكم وأعدل من أهل الوطن في الحكم بين الأطراف المختلفة.


