الانتخابات الإسرائيلية "ب": لماذا تجري، وعلى ماذا تدور، وهل هي فعلاً مصيرية؟ محاولة للإجابة..هنيدة غانم

الأحد 01 سبتمبر 2019 11:21 ص / بتوقيت القدس +2GMT



تجري الانتخابات التشريعية الإسرائيلية في 17 أيلول الجاري، وتتنافس في إطارها 32 قائمة انتخابية على 120 مقعدا في البرلمان الإسرائيلي "الكنيست". وهذه هي الانتخابات الثانية التي ستجري خلال العام 2019، حيث أجريت سابقتها في 9 نيسان 2019، وحصل فيها حزب الليكود برئاسة نتنياهو على 36 مقعدا، فيما حصل ائتلاف "أزرق أبيض" بزعامة بيني غانتس على 35 مقعدا، وحصلت كتلة أحزاب اليمين على أغلبية المقاعد (65)، وتمت التوصية من قبل غالبية أعضاء الكنيست بتكليف نتنياهو تشكيل الحكومة، لكنه فشل في ذلك.

وجاء فشل نتنياهو في تشكيل الحكومة بعد أن رفض ليبرمان الانضمام لحكومته بسبب خلاف حول قضية تجنيد الحريديين، معلنا رفضه الخضوع لهم، ورفض المساعدة في ان تتحول إسرائيل الى "دولة شريعة – هالاخا". غير أنه ورغم ادعاء ليبرمان فإن أغلبية المحللين أشاروا إلى أن هذه مجرد حجة واهية استخدمها ليبرمان للتغطية، وأن السبب الحقيقي لعدم انضمامه لحكومة اليمين التي سعى لتشكيلها نتنياهو مع الحريديين شخصية ومرتبطة بوجود شرخ عميق بين الاثنين. وبغض النظر عن الأسباب الحقيقية التي دفعت ليبرمان الى عدم الانضمام إلى حكومة بزعامة نتنياهو، فإن الذهاب الى انتخابات ثانية بعد انغلاق الأفق لتشكيل حكومة فاجأ المراقبين والمحللين والسياسيين جميعا، وأدى الى إعادة خلط الأوراق الداخلية مجددا، وفتح الآفاق نحو إعادة التموضع في المشهد السياسي الإسرائيلي.
وكانت هناك نتائج مباشرة للإعلان عن إعادة الانتخابات تمثلت في:
1. إعادة إحياء التحالفات التي تم تفكيكها في انتخابات نيسان، وتشكيل أخرى جديدة:
تعاملت الأحزاب التي لم تحصل على النتائج التي تريدها، أو التي فشلت في تجاوز نسبة الحسم، مع إعادة الانتخابات كفرصة ذهبية ثانية للعودة الى الحيز السياسي بعد أن بدأت تعد العدة للخروج منها، وشهدت الساحة الحزبية حراكا نشطا، تضمن تفكيك تحالفات وإعادة تشكيل أخرى وإعادة تموضع وانسحابات من أحزاب لأخرى.
تشكل عودة أيليت شاكيد ونفتالي بينت اللذين فشل حزبهما "اليمن الجديد" في تجاوز نسبة الحسم الى المشهد الحزبي، وبدا أنهما في طريقهما الى الساحة الخلفية للسياسة الإسرائيلية، أحد أهم نتائج إعادة الانتخابات المباشرة التي ستعيدهما الى مقدمة المشهد، حيث تمت إعادة بناء التحالف الاستيطاني بين حزب اليمين الجديد وحزب البيت اليهودي، من خلال تشكيل تحالف "يمينا" برئاسة أيليت شاكيد التي ستصبح فعليا أول امرأة علمانية تحتل هذا المنصب.
وعلى الجانب الآخر من الخارطة، قام حزب العمل الذي لم يحصل إلا على ستة مقاعد في انتخابات نيسان، بانتخاب عمير بيرتس زعيما جديدا له، بعد اعتزال آفي غباي، بتفضيل تشكيل تحالف على أساس اجتماعي مع حزب غيشر بزعامة أورلي ديفيد ليفي، بدل الذهاب لتحالف سياسي "يساري"، ويأتي خيار بيرتس هذا رغم ان ليفي لم تجتز نسبة الحسم، وكانت في طريقها للاعتزال، ما حدا بستاف شفير التي تعد من قيادات حزب العمل الواعدة الى الانتقال للمعسكر الديموقراطي الذي تشكل كتحالف "يساري" بين "ميرتس" وحزب "إسرائيل ديموقراطية" الذي أقامه ايهود باراك (بعد ان اعتذر للعرب عن مقتل 13 متظاهرا في تشرين الأول 2000)، بالإضافة للحركة الخضراء (حركة للحفاظ على البيئة). أما على الصعيد العربي، فقد تمت إعادة تشكيل القائمة المشتركة بالرغم من الصعوبات التي كانت، وجاء ذلك بعد فشل تشكيلها في نيسان وحالة الاستياء التي أصابت قطاعات من المصوتين العرب، وانعكست في انخفاض نسبة التصويت بينهم لأقل من 50% (مقارنة بـ64% في انتخابات 2015 ومع وجود القائمة المشتركة) وبعد أن صوت 33% من العرب لـ"ميرتس". كما اختفى عشية إعادة الانتخابات حزب كولانو برئاسة موشيه كحلون عن المشهد بعد ان انضم الى "الليكود". سيكون لهذه التغيرات على صعيد إعادة هيكلة التحالفات بالضرورة أثر مباشر على خطوط أي ائتلاف حكومي مقبل.
2. نتنياهو بين فكي الكماشة
يطغى على هذه الانتخابات كسابقتها في نيسان الى حدّ بعيد الانشغال بشخص رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ويأتي هذا الانشغال على خلفية عاملين أساسيين؛ الأول مرتبط بتورط نتنياهو بقضايا فساد ورشى خاضعة لجلسات الاستماع المقرة مع بداية شهر تشرين الأول، والادعاء أنه مستعد من أجل الإفلات من القضاء لفعل أي شيء. والثاني شخصي مرتبط بالتوتر والخصومة التي تطغى على علاقة نتنياهو وعائلته مع آخرين، بما في ذلك خصومة مع شخصيات تتقاطع معه أيديولوجيا لكنها تحولت لخصوم له، مثل موشيه يعلون وزير دفاعه السابق، وافيغدور ليبرمان مدير مكتبه في حكومته الأولى وسكرتير حزب الليكود سابقا، وأيليت شاكيد التي كانت أيضا مديرة مكتب نتنياهو حين كان بالمعارضة (2006-2008) وعمل الى جانبها في ذات المكتب نفتالي بينت.
أنتج التفاعل بين الخصومات الشخصية كما انعكس في العلاقة مع افيغدور ليبرمان بالذات، والتورط بقضايا فساد، مسارين متوازيين يعملان كفكي كماشة ويحاولان الإطباق عليه. يأتي الأول من يسار نتنياهو، ويقوده تحالف "أبيض أزرق" الذي يتشكل من جنرالات سابقين وشخصيات وقوائم حزبية لا يجمعها فعليا سوى هدف أساسي واحد هو إسقاط نتنياهو (وليس الليكود)، والثاني من يمينه ويمثله ليبرمان الذي أفشل مسعى نتنياهو تشكيل ائتلاف بعد انتخابات نيسان، والذي لم يعد يخفي صراعه المحتدم مع نتنياهو رغم التوافق الأيديولوجي اليميني بينهما.
يمحور طرفا الكماشة سواء بشكل واضح كـ"أبيض أزرق" أو ضبابي كحال حزب "إسرائيل بيتنا" معارضتهما لنتنياهو في شخصه بالأساس، ويحاولان الفصل بينه وبين حزب الليكود، ويطرح "أبيض أزرق" استعداده للدخول في حكومة وحدة وطنية مع الليكود دون نتنياهو.
يركز طرفا الكماشة النقد الموجه لنتنياهو في مسه بمبدأين أساسيين يشكلان جوهر النظام الإسرائيلي، وهما مبدأ المملختيوت - الدولاتية (mamlakhteyout) ومبدأ العلمانية. وفيما يركز تحالف الوسط "أبيض أزرق" والتحالف الديمقراطي من اليسار (استخدم هذه المفاهيم إجرائيا) على اتهام نتنياهو بالمس بمبدأ الدولاتية، فإن المعارضة من اليمين القومي العلماني الذي يمثله ليبرمان يركز على اتهامه بالمس بمبدأ العلمانية.
تعود كلمة الدولاتية (mamlakhteyout)، إلى دافيد بن غوريون وتحيل الى قراره التأسيسي مع إقامة إسرائيل بنقل ثقل القرارات المرتبطة بإدارة الدولة وتحديد شكلها وجوهرها وأدوار أجهزتها من المؤسسات والمنظمات الحزبية التي سيطر عليها "مباي" مثل "الهستدروت" والوكالة اليهودية، وشكلت شبكة إدارية متكاملة للمجتمع الاستعماري اليهودي في فترة الانتداب، الى مؤسسات الدولة سواء المحاكم أو أجهزة العنف من جيش وشرطة وغيرها. أدت هذه العملية التي فصلت بين مؤسسات الدولة وبين الحزبية والأهواء الشخصية فعليا الى تحويل المشروع الصهيوني الاستعماري من "مشروع دولة" لحزب مباي الى دولة مؤسسات العام ١٩٤٨.
تعرضت فكرة "المملختيوت" خلال حكم نتنياهو الذي يشبه سلوكه السياسي الداخلي سلوك دونالد ترامب، لضربات متلاحقة، وتم المس بشكل ممنهج بموضوعية مؤسسات الدولة التي كانت تعتبر خارج حلبة الصراع، وتم اتهامها من قبله وقبل شركائه مرة بأنها يسارية كما حدث مع محكمة العدل العليا، ومرة أخرى بأن ما يحركها أسباب شخصية كما حدث مع النيابة العامة، واتهم نتنياهو وشركاؤه بالعمل على إعادة تشكيل مؤسسات اعتبرت تاريخيا معقلا للرسمية الدولاتية وفق أيديولوجيا حزبية يمينية، بما في ذلك الحفر عميقا في تشكيلة محكمة العدل العليا، وهو ما اعتبر من جانب جزء من النخب الإسرائيلية خطرا على مستقبل الدولة. ويروج معارضو نتنياهو من الوسط واليسار بشكل أساسي شعار إعادة ترميم مبدأ الدولاتية في حملاتهم الانتخابية، ويدعون للتصويت لهم من أجل وقف تدهور مؤسسات الدولة. ويشكل مبدأ إنقاذ الدولاتية الفكرة اللاصقة التي تجمع أقطابا متعارضة سياسيا من اليمين الاستيطاني كموشيه يعلون صاحب فكرة المليون مستوطن في الضفة، ويوعز هندل اليميني الذي عمل حتى 2012 في مكتب نتنياهو لكنه استقال بسبب خلاف معه مع شخصيات من الوسط في ائتلاف "أزرق أبيض".
وفي مقابل رفع مبدأ ترميم الدولاتية وإعادة هيبة مؤسسات الدولة الذي يلوح به الوسط، يرفع حزب ليبرمان من اليمين والمعسكر الديموقراطي من اليسار شعار العلمانية الذي يشكل أيضا عمودا أساسيا في نظام الحكم في إسرائيل (اليهودية)، ويدعي ليبرمان بأنه يقف من اليمين سدا منيعا في وجه تحويل إسرائيل الى دولة "شريعة" (هالاخا) وذلك من خلال رفضه الخضوع لما يسميه ابتزاز الحريديين (المتدينون المتزمتون). وللتوضيح فقد تم تاريخيا نظم العلاقة بين الدين والدولة من جهة والمتدينين والعلمانيين من جهة أخرى على أساس ما يسمى في الخطاب الإسرائيلي العام "مبدأ الحفاظ على الوضع القائم" (status quo) والذي تشكل في فترة اليشوف (قبل 1948) وتم تأكيده في خطاب أرسله بن غوريون العام 1947 حينها رئيس الوكالة اليهودية لحزب أجودات يسرائيل الديني المتزمت وغير الصهيوني، ومن أجل استمالته لتأييد إقامة إسرائيل عشية قرار التقسيم. تضمن هذا الخطاب الذي سيتحول الى مرجعية تاريخية مؤسسة في علاقة الحريديين والدولة، موقف الدولة المستقبلية في مواضيع حفظ السبت، والحلال (كوشر)، والتعليم المستقل للمتدينين المتزمتين، وقوانين الأحوال الشخصية، حيث تحول هذا لاحقا الى جزء من أي اتفاق ائتلافي مع الأحزاب الحريدية. وفيما لم تكن هناك عمليا أي مشكلة في الحفاظ على مبادئ الوضع القائم التي كان من ضمنها إعفاء الحريديين من الخدمة الإجبارية، وطالما كان الحريديون أقلية هامشية في المجتمع الإسرائيلي كما كان الحال في الخمسينيات والستينيات وطالما ظلت الأحزاب الحريدية التي تمثلهم أحزابا قطاعية، غير ان هذا الأمر بدأ يتحول الى قضية إشكالية لعدة أسباب متشابكة ومتداخلة:
أولا - أسباب ديموغرافية، إذ إن الحريديين صاروا اليوم، يشكلون كتلة كبيرة من المجتمع الإسرائيلي، ويقدر البعض نسبتهم بـ 15% من اليهود على الأقل. وتضاف اليهم فئة المتدينين القوميين وفئة أخرى جديدة برزت في العقد الأخير هي فئة الحريديين القوميين (الحردليم) الذين يتموضعون اليوم، على أقصى اليمين القومي، يترافق هذا التغيير مع انخفاض نسبة العلمانيين، وان كانت الأغلبية العظمى مع إقامة إسرائيل كانت ترى نفسها علمانية، فإن النسبة اليوم، بالكاد تصل 40% ما يعني أن العلمانيين لم يعودوا أغلبية، وان ثقافتهم لم تعد ثقافة الأغلبية.
ثانيا - زيادة عدد الحريديين واستمرار إعفائهم من الخدمة العسكرية تحت بند تكريس حياتهم للتوراة يوازيه هبوط مستمر في رغبة التجنيد من قبل العلمانيين خاصة ممن شكلوا سابقا بنك التجنيد الأساسي للوحدات القتالية كأبناء الكيبوتسات، وتزايد المطالبة بتعميم واجب أداء الخدمة العسكرية على الجميع. في هذا السياق، من المهم الإشارة الى برامج ومشاريع كثيرة تمت المبادرة لها لتشجيع خدمة المتدينين خاصة إقامة المدارس الدينية العسكرية، وهو ما أسهم لاحقا بزيادة نسبة المتدينين، لكن من المتدينين القوميين وبدء تأثيرهم على الثقافة العامة للجيش، من حيث تسارع ظهور مسارات محافظة كالفصل بين الجنسين في بعض الأحيان، ومنع غناء النساء للحفاظ على مشاعر الجنود المتدينين، وإلقاء خطب تشجيعية محشوة بالتعابير الدينية كما حدث عشية حرب غزة 2014 والتشديد على تقاليد دينية كالحلال، وهو ما اعتبر من قبل العلمانيين بمثابة سطوة للدين على أحد معاقل العلمانية أي الجيش.
ثالثا - أسباب بنيوية مرتبطة باندماج الحريديم الزاحف في المشروع الصهيوني بعد ان كانوا خارجه (وان قبلوا بأغلبهم وجود إسرائيل كأمر واقع) وذلك عبر توريطهم بالمشروع الاستيطاني، حيث بات الحريديون يشكلون اليوم، أكثر من ثلث المستوطنين، وهو ما حولهم ليس فقط لصهاينة بل ليمين بحكم الأمر الواقع، وهو ما سمح بأن يتحولوا الى ما يسميه بنيامين نتنياهو الشركاء الطبيعيين لليمين الذين لا تتشكل أي حكومة يمين دون دعمهم، ما رفع قدرتهم أيضا على المناورة والمطالبة بحقائب استراتيجية تؤثر على حياة الجميع بما في ذلك العلمانيون.
رابعا - وبالارتباط بالنقطة السابقة، العلاقات المتوترة جدا بين المهاجرين من دول الاتحاد السوفيتي ذوي التوجهات العلمانية، والوزارات التي يسيطر عليها الحريديون خاصة "شاس" كوزارة الداخلية والمؤسسات الدينية والتي تشكك بيهودية آلاف من المهاجرين الروس وتضع العراقيل أمامهم. وقد وصلت هذه العلاقة الى حالة توتر غير مسبوقة مع الكشف عن أن المحاكم الدينية اليهودية في إسرائيل تطالب مهاجرين روسا بتزويدها بفحوص DNA لدى تقدمهم بطلب لتسجيل عقود زواج، وذلك من أجل "إثبات يهوديتهم".
ورغم كل التوترات بين اليمين العلماني ممثلا بليبرمان واليمين الديني والحريديين، إلا ان التساوق على الأجندة اليمينية الاستيطانية كان كفيلا بجلوسهم معا في حكومات بنيامين نتنياهو، وكان هناك اعتقاد بأن الاتفاق السياسي بين أحزاب اليمين الحريدية والدينية والعلمانية يغطي الخلافات العميقة بينهم حول قضايا الدين والدولة، وهو ما اتضح انه ليس بالضرورة صحيحا، أو على الأقل ليس في كل الظروف وان هذا الموضوع قابل للاستخدام كسبب "حقيقي" عند الحاجة، وهو ما فعله ليبرمان الذي رفض قبول الصيغة التوافقية مع الأحزاب الحريدية حول التجنيد للجيش، رغم اعتقاد الكثيرين ان الحريديين أبدوا مرونة غير مسبوقة في الموضوع.

نتنياهو واستراتيجية
التحصن في الأيديولوجيا اليمينية
في مقابل تركيز معارضي نتنياهو على شخصه ومحاولة الإطاحة به، عبر خطاب ترميم الدولاتية من جهة، والحفاظ على العلمانية من جهة أخرى، فإن ما يلفت الانتباه الى ان حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو (بالإضافة الى حزب "يمينا" الاستيطاني) اختار ان يركز بالذات على البعد الأيديولوجي اليميني والاستيطاني وان يتحصن فيه.
في هذا الإطار، يشدد نتنياهو على ان كل من يهاجمه يفعل ذلك بسبب مواقفه اليمينية الصلبة، وان مهاجميه يخفون أجندة يسارية بما في ذلك ليبرمان، حيث حول هو وداعموه كلمة "يساري" في إسرائيل الى تهمة وإهانة تقارب الخيانة، وصار هَمّ المتهمين بها محاولة نفيها، خاصة من قبل أحزاب "ييش عتيد" وتحالف "ابيض ازرق" وحتى حزب العمل، ناهيك عن اتهام كل صحافي ينتقد نتنياهو حتى لو كان يمينيا متطرفا بأنه يساري. بالمقابل يطرح نتنياهو نفسه بوصفه ممثل اليمين الحقيقي الوحيد وحامل مشروعه الاستيطاني والقومي - اليهودي والأمني، ويتقاطع معه في خطابه تحالف "يمينا" الاستيطاني، وهو ما يعني ان الليكود و"يمينا" هما من يطرحان برنامجا سياسيا يمينيا واستيطانيا واضحا، مقابل معارضيه الذين يطرحون برامج رمادية كتحالف "ابيض ازرق"، او اجتماعية كحزب العمل، فيما تقتصر البرامج السياسية المعارضة للاحتلال على القائمة المشتركة والتحالف الديموقراطي الى حد ما (مع تفاوتهما بالطبع).
ويمكن ان نلخص المشهد أعلاه بأن هذه الانتخابات تتميز بأنها شخصية الى حد بعيد، وانه لذلك يوجد توافق ومن اتجاهات متناقضة أيديولوجيا على إسقاط نتنياهو وسط محاولات للفصل بينه وبين حزب الليكود، بل ان اللاصق الوحيد لتحالف "ابيض ازرق" هو إسقاط نتنياهو فقط.
التوافق بين أشخاص من توجهات مختلفة ومتناقضة على إسقاط نتنياهو هو ما يدعوه للتعامل مع هذه الانتخابات بوصفها انتخابات مصيرية - له شخصيا - إذ ان نجاحه يعني زيادة فرص نجاته من السجن في ظل حديث داعميه عن سعيهم لاتخاذ إجراءات قانونية تحول دون محاكمته (سواء تمرير القانون الفرنسي او منع رفع الحصانة عنه) أما فشله فيعني مثوله مباشرة للمحكمة وخطر ذهابه للسجن.

إذاً، أين يقف الفلسطينيون في الانتخابات؟
ان كان نتنياهو هو موضوع الانتخابات الأهم الذي تنشغل به المعارضة، فإن الاحتلال هو الموضوع الذي تحاول التهرب منه، ومن يتابع المشهد الانتخابي يرى ان هذا الموضوع قذف به من قبل المعارضة الى ساحتها الخلفية، ليظل أكثر الأحزاب وضوحا في موقفه من الموضوع الفلسطيني هو اليمين.
وفعليا، تشكل الممارسة على ارض الواقع البرنامج السياسي الحقيقي لليمين الذي يقوده نتنياهو منذ 2009. وهو ما يفسر لماذا لم يطرح الليكود برنامجا انتخابيا منذ ذلك العام، ولماذا يرفض أيضا الإجابة عن أسئلة الصحافيين حول برنامجه السياسي، إذ ان إبقاء برنامجه ضبابيا يسمح له بحرية التحرك والاستمرار في تنفيذ برامجه على الأرض سواء بتوسيع البناء الاستيطاني، أو تنفيذ الضم الزاحف، او قطع الطريق أمام إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، وذلك دون حاجة لخلق مواجهات مع الرأي العام العالمي.
وكما نشر في برنامجه منذ عقد، يستمر الليكود برئاسة نتنياهو بالتركيز على الموضوع الإيراني، حيث موضعه على قمة أولوياته، وحاول خلق تحالفات إقليمية حوله، وذلك في مسعى لتحويل المسألة الفلسطينية وإنهاء الاحتلال الى موضوع دولي ثانوي، يتوازى فعليا مع مساع محمومة لتوسيع الاستيطان ومحاصرة الفلسطينيين في معازل منقطعة عن بعضها. وكان الليكود أشار في برنامجه في 2009 انه يرفض القيام بأي انسحابات إضافية، وانه سيعمل بدل ذلك على تحسين الأوضاع في إشارة الى مفهوم السلام الاقتصادي، موضحا انه حين سيكون الوقت مناسبا لمحادثات نهائية للسلام سيصر الليكود على الحفاظ على أمن سكان إسرائيل والحفاظ على حدودها ورفض عودة اللاجئين، والإبقاء على القدس الموحدة.
وبالمقابل، يضع الحزب على موقعه دستورا فيه أهم مرتكزات الحزب الأيديولوجية منها: لم الشتات والحفاظ على القيم الليبرالية وأرض إسرائيل الكاملة.
اما حزب "ابيض ازرق" فقد نشر برنامجه الانتخابي الذي يتكون من ثلاث قضايا أولها الصحة وثانيها التعليم وآخرها الأمن. ويظهر من برنامج الحزب مسعاه الى تسويق ذاته بوصفه "قبضة حديدية أمنية" في محاولة لتجاوز نتنياهو من يمينه. وجاء في برنامجه "ان أبيض أزرق" برئاسة غانتس سيقود سياسة تقوم على المبادرة والمسؤولية، وتعمل من أجل تغيير الواقع في الشرق الأوسط وحدود البلاد من خلال "1. استعادة الردع في الجنوب من خلال انتهاج سياسة أمنية مستقلة في مواجهة قطاع غزة تتضمن سياسة لا تنطوي على أي تسامح تجاه الاستفزاز والعنف ضدنا 2. تعزيز المعركة المتواصلة على الجبهة الشمالية ضد نفوذ إيران المتزايد وتعاظم قوة "حزب الله" 3. الحفاظ على الكتل الاستيطانية - لن تكون هناك عملية انفصال ثانية. 4. الدفع باتجاه عقد مؤتمر إقليمي بمشاركة الدول العربية التي تتطلع الى الاستقرار 5. تعميق عمليات الانفصال عن الفلسطينيين وسط الحفاظ على الكتل الاستيطانية والقدس الموحدة والجولان". وتظهر هذه النقاط موقفا عسكريا أمنيا مدججا بلغة الردع والعنف ويغيب عنه الحديث عن إنهاء الاحتلال الذي يستبدل بصيغة ضبابية عن انفصال عن الفلسطينيين ما يبقي الباب مشرعا عمليا على كل شيء.
ويظهر التهرب بصيغته الأوضح والأكثر سريالية من الموضوع الفلسطيني في طرح تحالف حزب العمل - غيشر، خاصة ان حزب العمل يطرح في الخطاب الإعلامي كحزب يساري في حين يخلو برنامجه الانتخابي من أي ذكر للموضوع. في المقابل يتمحور برنامج التحالف على المسألة الاجتماعية الاقتصادية ويطالب بالاستثمار لصالح العمال والمرضى والأطفال والأزواج الشابة وتحسين شروط العمل ومحاربة الفقر. ولكن البرنامج لا يتطرق للمسألة الفلسطينية ويغيبها تماما.
ومع ذلك، يمكن أن نتعرف على موقف التحالف من الموضوع الفلسطيني من خلال إجابته عن هذا السؤال الذي طرح عليه وعلى باقي الأحزاب من قبل موقع "كان" العبري، وفيه أوضح انه سيعمل على - الحفاظ على الأغلبية اليهودية في الدولة وإعطاء حقوق مواطنة كاملة لكل السكان. وسيسعى الى تسوية إقليمية مع الفلسطينيين والدول العربية المعتدلة تتم في إطارها إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح. كما أشار الى انه سيطرح خطة تنفيذية من ثلاث خطوات، تتضمن أولا إيقاف البناء خارج الكتل الاستيطانية، سن قانون "إخلاء - تعويض" للإسرائيليين خارج الكتل الاستيطانية، إجراء استفتاء حول مستقبل مخيمات اللاجئين حول القدس".
وفي يمين الخارطة السياسية يطرح حزب "إسرائيل بيتنا" برنامجا سياسيا من أربعة مركبات على رأسها الأمن ثم الهجرة ثم الاقتصاد، وأخيرا التعليم، موضحا ان برنامجه هو "تحويل إسرائيل من دولة صغيرة الى دولة عظمى إقليمية"، وان تحقيق ذلك يكون من خلال إبعاد التهديدات القائمة ومنع مواجهات مستقبلية. حيث يتم وبحسبه "في المرحلة الأولى حسم الإرهاب من حيث إيقاف تحويل الأموال إلى (حماس)، وخصم أموال الإرهاب من الأموال التي نجبيها للسلطة ونحولها لها، وسن قانون إعدام المخربين وطرد المحرضين وهدم بيوت المخربين والعودة الى الاغتيالات لقادة الإرهاب. في المرحلة الثانية سنعمل على تحقيق تسوية إقليمية. على عكس الأحزاب الأخرى يرى الحزب ان "صراع إسرائيل ليس صراع أراض مع جيراننا الفلسطينيين بل صراع ثلاثي الأبعاد: صراع مع الدول العربية والفلسطينيين وعرب إسرائيل. لذلك فإن التسوية مع الفلسطينيين يجب ان تكون جزءا من تسوية شاملة تشمل اتفاقيات مع دول عربية وتبادل أراض وسكان لعرب إسرائيل".
لم ينشر التحالف القومي الاستيطاني "يمينا" والذي يضم حزب اليمين الجديد والبيت اليهودي والاتحاد القومي - "تكوما" وتترأسه ايليت شاكيد برنامجه الانتخابي المفصل حتى الآن، لكنه وفي إطلاق حملته الانتخابية في آب الماضي أشار الى ان الحملة التي سيديرها ستتركز في أربعة مواضيع هي الاقتصاد والقضاء والحاكمية والسياسة وسيكون تحت عنوان "إسرائيل تريد اليمين". وفي إجابة التحالف عن سؤال حول موقفه من "الصراع" أوضح خطوطه الأساسية "- رفض تقسيم القدس او السيادة المشتركة في أي جزء منها، - معارضة إطلاق سراح المخربين وإيقاف كامل لميزانيات المخربين وهدم سريع لبيوتهم وخلق ظروف بالحد الأدنى للسجن يتم وضعها وفق القانون الدولي، - معارضة إعطاء أراض لإقامة دولة فلسطينية ودعم فرض القانون الإسرائيلي على يهودا والسامرة".
في هذا السياق، من المهم الإشارة الى ان أعضاء تحالف "يمينا" يطرحون بشكل ممنهج قضية فرض القانون الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، وانه من المتوقع ان يسعى الى تحقيق ذلك في حالة دخوله للحكومة.
اما الأحزاب الدينية المتزمتة التي تضم "شاس" الذي يمثل المتدينين الشرقيين و"يهدوت هتوراة" الذي يمثل الأشكناز فلم تنشر برامجها. وفيما رفض "شاس" إعطاء الإجابة عن موقفه من قضايا ترتبط بالاحتلال او قضايا سياسية، فقد أجاب مندوب عن "يهدوت هتوراة" ان الحزب "يمتنع وبشكل تقليدي عن اتخاذ موقف في مواضيع الأمن والخارجية والحزب يثق في هذا الإطار في جهاز الأمن ورئيس الحكومة. عندما يُطرح موضوع للتصويت في الكنيست سنقوم بعرضه على مجلس الحكماء (الرابانيم) ونأخذ منهم التعليمات ونصوت وفقها".
أما المعسكر الديموقراطي فلم ينشر برنامجه الانتخابي بشكل مفصل حتى الآن لكن في الاتفاق الائتلافي لإقامته تمت الإشارة الى انه سيعمل على إلغاء قانون القومية وعلى محاربة تحويل إسرائيل لدولة شريعة والحفاظ عليها ديموقراطية.

استخلاصات
تطغى على هذه الانتخابات الصراعات الشخصية المرتبطة بنتنياهو بشكل خاص، ومن المتوقع ان يحمل الأسبوعان المقبلان مزيدا من المعارك والهجوم المتبادل، ونظرا لاختلاط الشخصي بالسياسي صار من الصعب التكهن اليوم، كيف سيكون شكل الحكومة الإسرائيلية بعد انتخابات الكنيست الـ22. إذ ان ليبرمان بخلطه الأوراق فتح عمليا الباب أمام خيارات عديدة كانت مستحيلة سابقا، واهمها واكثرها واقعية ربما هو إقامة حكومة وحدة بين الليكود وبين أجزاء من "ابيض ازرق" (حزب حوسن ليسرائيل برئاسة غانتس) بالإضافة الى تحالف العمل - غيشر، لكن أيضا فإن إعادة تشكيل حكومة يمين مع ليبرمان هي سيناريو ممكن، إذ ان الصراعات الشخصية يمكن تجاوزها حسب نوع المقابل الذي يطرح، إلا إذا حصل حزب الليكود مع أحزاب اليمين والحريديم دون ليبرمان على 61 مقعدا وهذا ليس شيئا مستحيلا، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ان نتنياهو يعمل كل ما في وسعه من اجل عدم ضياع أي صوت يميني، بما في ذلك عقد صفقة مع فيغلين زعيم حزب "زهوت" للانسحاب من الانتخابات مقابل إعطائه حقيبة وزير في حال شكل الحكومة، وهو ما يتوقع القيام به أيضا مع حزب عوتسما يهوديت الكهاني، وحري بالتذكير هنا ان كل الإشارات تدل على ان معسكر اليمين سيحظى بعدد الأصوات الأكبر، وان اليمين حصل على 65% من أصوات اليهود في الانتخابات السابقة.
لكن الأهم من نتائج الانتخابات ومن سيشكل الحكومة الأخذ بعين الاعتبار التالي
1. الكتل الاستيطانية اليوم، موضوع إجماع إسرائيلي. لم يعد احد اليوم، يناقش تفكيكها او مستقبلها وهي في الوعي الجمعي العام جزء من إسرائيل.
2. إسرائيل ترسخت في الوعي العام بأنها الدولة القومية للشعب اليهودي، وذلك من خلال قانون أساس القومية الذي لا يطالب بإلغائه سوى المعسكر الديموقراطي والقائمة المشتركة.
3. لا يوجد ذكر للاحتلال في البرامج الحزبية، فقط هناك حديث عن تسويات حدود تتوسع وتضيق حسب من يطرح.
4. ان كلمة "يساري" التي تعني في الخطاب الإسرائيلي معارضة للاحتلال تحولت الى تهمة تحاول الأحزاب فيما عدا "ميرتس" التنصل منها، إما بالهرب لبرامج اجتماعية كحزب العمل، او بحشو خطابها بلغة عسكرية، او تجاوز الليكود من يمينه كـ"ابيض ازرق".
للتلخيص، فإن الانتخابات تجري لأسباب متشابكة شخصية وأيديولوجية لكنها تتقاطع في هدف واحد هو إسقاط نتنياهو، حيث تتكاثف في هذا المجهود وبشكل غير مسبوق جهات وتيارات وشخصيات من خلفيات مختلفة واحيانا متعارضة من اليمين والوسط واليسار لإسقاطه، ما يعني ان هذه الانتخابات هي مصيرية له، وما يعنيه انه مستعد للقيام بكل شيء تقريبا لكسبها، وفيما يطرح معارضو نتنياهو مواقفهم كمدافعين عن مبادئ العلمانية والدولاتية، فإن نتنياهو يطرح نفسه كضحية مؤامرة من قبل "اليسار" للإطاحة به بسبب مواقفه اليمينية، وهو ما يحاول معارضوه نفيه باعتباره تهمة ووصمة، وهذا يعني ان إنهاء الاحتلال لن يحدث بسبب تغيير انتخابي في إسرائيل، وبالتأكيد ليس بسبب تغييرات من داخلها.

المدير العام للمركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"