لم يكن "شارون" وهو القائد الذي وضع بصمات عديدة في تاريخ وجود إسرائيل، ليعلن انسحابه من قطاع غزة وتفكيك المستوطنات القائمة هناك، وذلك عبر تقديمه خطة بعنوان خطة "فك الارتباط" في شهر ابريل من العام 2003 لتأتي من باب الترف الإسرائيلي أو من باب حلحلة لوضع سياسي معقد أو تجنب لضغوط المجتمع الدولي، أو لإحساس قيمي وأخلاقي بظلم الاحتلال، وهو من كان أعلن سابقاً أن مستوطنة "نتساريم" لا تختلف في أهميتها ومكانتها عن مدينة تل أبيب، ولكن جاء هذا الإعلان الإسرائيلي بهدف تحقيق أهداف استراتيجية لدولة إسرائيل من خلال القيام بخطوات تكتيكية لا تقود لأي مخاطر عليها، وهي: تجميد عملية السلام بصورة شرعية، بما يمنع إقامة دولة فلسطينية، والإبقاء على وجود المستوطنات في الضفة الغربية، وكذلك تهيئة الأوضاع القانونية لفصل غزة عن الضفة، ولتكون غزة فقط هي الدولة الفلسطينية، ويجعل من الضفة الغربية وقطاع غزة كيانان منفصلين ومستقل كلٍ منهما عن الآخر.
اليوم وبعد ما يقارب من عشر سنوات من الانقسام الفلسطيني الذي تمخض عنه كيانين فلسطينيين في الضفة وغزة وترسيخ مقوماتهما بأيد فلسطينية، وفشل كل محاولات إنهائه، حتى أصبحنا اليوم نقوم بترسيخ ومأسسة هذا الانقسام وتحويله من انقسام فرضته عوامل الجغرافيا إلى انقسام مؤسساتي سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي، وأصبحنا من حيث ندري أو لا ندري ننفذ ونطبق ما حلم به شارون وحكومات إسرائيل المتعاقبة تجاه هدفها الاستراتيجي القائم على منع إقامة دولة فلسطينية وفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة وخلق نوع من التناقض بينهما وصولاً إلى أن خرج هذا الانقسام من إطاره كورقة داخلية ولم يعد يتعلق بإشكال ووجهات نظر بين فتح وحماس، وإنما أصبح ورقة تتحكم بها اسرائيل كمستفيد أول عملت على تعزيزه، ودول اخرى وجدت ضالتها بهذا الانقسام للهروب من استحقاقات تجاه الشعب الفلسطيني.
وفي سياق السير على سكة ما سبق، يخرج الدكتور "أبو مرزوق" بفكرة الفيدرالية كأحد أوجه الحل الممكن للتغلب على الانقسام، وهنا لا نريد التشكيك بالنوايا، فالفكرة في عالم السياسة معمول بها في كثير من المناطق وتطبقها دول ذات شأن في منظومة المجتمع الدولي، والسؤال هل يمكن للفدرالية ضمن شروط تعريفها كمفهوم علمي وكتأصيل نظري أن تشكل نموذج يمكن للوضع الفلسطيني التعاطي معها ضمن منطق العقل وبعيداً عن الردح السياسي، والمحاصصات الحزبية، هل يمكن لنا توفير كل الأليات المحددة لهذا التوجه، هل يمكن لنا طرح هذا التوجه للشعب للاستفتاء عليه. الفيدرالية ليست قميص عثمان للهروب به بعيداً عن استحقاقات وحدوية، الفيدرالية هي نوع من العلاقة الوحدوية المركبة بين إقليمين تقوم على أساس الدولة الواحدة، من حيث وجود دستور موحد، وحكومة موحدة، وبرلمان موحد، وجيش موحد.
نعم هناك تحديات جمة للوضع الفلسطيني ونحن اليوم نعيش حالة من السيولة تعيشها المنطقة ولا نعرف إلى أين ستتجه الأمور بالوضع العربي نتيجة ما يحدث من أزمات مركبة، وهو ما يدفعنا لمحاولة القراءة الجيدة وعدم التعاطي مع ما يحدث بارتجالية وبردات فعل يجرنا إليها إصحاب المصالح، وإسرائيل التي تعتبر اللاعب الأهم والأقوى المتحكم بالحالة الفلسطينية والذي يجيد استثمار كل الظروف لصالحه.
الوضع بجد خطير، ولم يعد التمعن فيه يأتي من باب الترف الفكري ، ولكن من باب الضرورات الوطنية الفلسطينية التي لم ولن يرحمنا التاريخ اذا استمررنا في تجاهلها وغض الطرف عنها، دعونا نبحث كل اشكال اعادة ترتيب البيت الفلسطيني والتخلص من أعباء الظلم والقهر التي يعيشها شعبنا عبر طرح كل الأفكار الممكنة، ولتكن الفيدرالية موضع نقاش يخرج برؤية وطنية فلسطينية جامعة، وذلك ضمن الشروط المعمول بها دولياً ، وإلا ستكون فكرة مضللة ليس لها قيمة سوى تأكيد الانقسام وخدمة أصحابه والمستفيدين من استمراره.
ولنعمل بمنطق الوطن وليس بمنطق الحزب على وضع مصلحتنا الوطنية ومصلحة أجيالنا القادمة هي المحدد للبحث عن حلول خلاقة لا تكون إسرائيل هي المستفيد الاوحد منها كما عملت منذ خطة فك الارتباط إلى اليوم الذي تطرح فيه فكرة الفيدرالية.


