ثمان سنوات مرت على الإدارة الأمريكية بقيادة أوباما ولم تستطع خلالها دفع عملية السلام أو حتى تحريك قطار التسوية ولو خطوة للأمام رغم محاولات كيرى وزيارته المكومية المتكررة للمنطقة، وفى آخر أيام حكمها في الوقت بدل الضائع استفاقت الجهود الأمريكية ليس لتغيير الواقع السياسى في المنطقة بقدر ما هو مناكفة لنتنياهو ولتحسين صورتها وليكن هناك أمل في المستقبل البعيد أو القريب أمام إنهاء الصراع .
وتأتى التحركات الأمريكية الأخيرة من تمرير القرار 2334 وفق البند السادس والذى يطالب إسرائيل بوقف الاستيطان في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وعدم شرعية إنشاء المستوطنات في أراضى عام 1967، وهو أول قرار يمرر في مجلس الأمن في حكم ادارة أوباما منذ 2008؛ مروراً بخطاب كيرى وحديثه عن الخطة المقترحة للتسوية والذى دام لأكثر من ساعة فكيرى ليس فيديل كاسترو أو معمر القذافى ليخصص كل هذا الوقت من خطابه للصراع الفلسطينى الإسرائيلى، بل هو حاول أن يضع الأسس الفعلية التى ستقوم عليها أى تسوية قادمة طال الزمن أو قصر، وهو لم يتحدث بصفته وزير سابق بل بصفته الرسمية وما يطرحه ليس وجه نظر شخصية بقدر ما هى خلاصة رؤية المؤسسة الأمريكية الحاكمة التى تتعاقب عليها الادارات الأمريكية، وتلك الرؤية هى رؤية استراتيجية تتجاوز الواقع نحو المستقبل لخدمة المصالح الإمبراطورية الأمريكية أولاً وقبل أى مصالح لأى حليف آخر حتى لو كان إسرائيل،
وبعيدأ عن الصخب المفتعل الذى تثيره حكومة نتنياهو حول كل هذه التطورات؛ فحقيقة ما يحدث هو في النهاية يصب في مصلحة اسرائيل؛ ولكن إسرائيل الدولة كما يراها كيرى والعالم وليس إسرائيل الدولة اليهودية كما يراها نتنياهو واليمين المتطرف .
وهنا يجدر الاشارة إلى أن قطاع كبير من الإسرائيليين ويهود الولايات المتحدة يتفقون تماماً مع رؤية إدارة أوباما المطروحة وحسب الاستطلاعات الأخيرة بعد صدور قرار(2334) تظهر أن 61% من الاسرائيليين يؤيدوا حل الدولتين .
المطلوب منا كفلسطينيين أن لا نمرر أى فكرة ثقافية سياسية لتسوية قادمة تتضمن الاعتراف بيهودية الدولة الاسرائيلية ضمن خطة التسوية بما سيترتب عليها من التزامات فلسطينية وما ستفرضه لإسرائيل من حقوق ستتعدى الحاضر للمستقبل ،
وعلى صعيد آخر على حركة حماس أن تعيد قراءة خطاب كيرى خاصة فيما يتعلق بقطاع غزة وتواجدها والتى مَثل خطابه إهدار مستقبلى لدمها سياسياً إذا ما بقيت الأمور على ما هى عليه . وعلينا كفلسطينيين أن ندرك أنه في ظل الاختلال الفاضح في موازين القوى بيننا وبين إسرائيل فان من أهم وسائل المقاومة اليوم هى المقاومة السياسة الدبلوماسية، وأن نعترف ببعد نظر القيادة الفلسطينية وصحة رؤيتها لجغرافيا السياسة للقضية الفلسطينية إقليمياً ودولياً والتى بها استطاعت أن تستفيد من التناقض الدبلوماسى المستحيل والذى اختفى لأكثر من نصف قرن بين اسرائيل والولايات المتحدة، وأن تستثمره نحو تعرية حكومة اليمين الاسرائيلى المتطرف أمام العالم وتمرير قرار دولى ضد الاستيطان في حدود 67 بمساعدة أمريكية والذى سيقف أمام أى محاولة من نقل السفارة الأمريكية إلى القدس الشرقية عاصمة دولة فلسطين المعترف بها دولياً . أستاذ علوم سياسية وعلاقات دولية


