في الطريق إلى المؤتمر الدولي للسلام (11) قوة الإكراه ...حسين حجازي

السبت 31 ديسمبر 2016 11:53 ص / بتوقيت القدس +2GMT



كهجوم حربي لا يزال في ذروته ولكنه لم يصل بعد إلى نهايته، مداه الأقصى، هكذا بمزيج من الشعور بالهلع والترقب والخوف ينظرون الى ما يعتبرونه انتقاماً باراك أوباما وجون كيري عند هذه اللحظة الوداعية الأخيرة. حتى أنهم يسألون متى ينقضي ويسرع الزمن ويأتي يوم العشرين من كانون الثاني، ويخرج أوباما من البيت الأبيض ويتسلم دونالد ترامب، وتنتهي هذه الغمة الكئيبة. 
وبدأ هذا الهجوم كما بات معروفا بالإنزال الصاعق الذي حدث يوم 23 كانون الأول، في التصويت على قرار مجلس الأمن الدولي غير المسبوق حول الاستيطان، ثم اعقبه يوم 28 من الشهر نفسه أي بعد خمسة أيام فقط خطاب جون كيري المطول ساعة ونصف، انتهى في ختامه الى إعلان الرؤية الأميركية لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بما في ذلك إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية. وهو الإطار المتوقع ان تشتمل عليه مخرجات مؤتمر باريس الدولي للسلام. 
وقال احدهم وهو إسرائيل كاتس: احذروا العشرين يوماً الآتية، فإن من المحتمل أن تتخذ قرارات أُخرى ضدنا في المؤسسات الدولية. ولكن فيما بدا وكأن أوقات النحس مثلما أحداث السعد تأتي دفعة واحدة او متزامنة، وكأن ذبذبات او قوانين فيزيائية غامضة تربط بينها. فما كاد جون كيري يفرغ من إلقاء خطابه الذي لم يبق خلاله اي كلمة توبيخ وإدانة لم يستخدمها في وصف سياسة بنيامين نتنياهو وحكومته المتطرفة، كما الإشارة الى جحود إسرائيل ونكران الجميل ووقاحتها، حتى كان المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية يصادق لأول مرة على مباشرة الشرطة فتح تحقيق جنائي مع نتنياهو بثلاث تهم : الفساد وتلقي الرشوة وخيانة الأمانة. 
هكذا، بهذا الحال نبلغ نحن أيضا الذروة الأخيرة قرب الوصول الى يوم الخامس عشر من كانون الثاني من العام الجديد، أي الى الاجتماع الدولي الكبير في باريس حيث سارعت كل من ألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي ككل إلى تأييد ما حمله خطاب كيري. وحيث بدا في الواقع وكأن سباقا او صراعا لا سابقة له يحدث اليوم على نحو محموم في اللحظة الأخيرة على مدار الزمن، بين إدارة أوباما واوروبا والعالم ككل من جهة، وتسلم ترامب السلطة، وذلك استباقا لمجيء هذا الأخير بوضع إطار مقيد له ولإسرائيل، يحول دون قدرتهما على تجاوز حل الدولتين او الالتفاف على هذا الحل. 
هذا استقطاب لم يحدث له شبيه من قبل، وهو اذ يضع قواعد جديدة للعبة لأول مرة على ضفتي الأطلسي بين أميركا الغابرة وأوروبا، فإنه يرسم توازناً دولياً جديداً حول حل الصراع الفلسطيني والإسرائيلي، توازناً سعى باراك أوباما في أيام ولايته الأخيرة على نحو لا يخلو من الحصافة والجرأة والذكاء الى تحقيقه، ربما حماية لإرثه الإيراني والفلسطيني، ولكن كانعكاس للانقسام الأميركي انقسام أميركا على نفسها لأول مرة بهذا القدر في السجال حول الموقف من إسرائيل، وذلك بمنح أوروبا او ما يشبه تسليمها هذا الملف في مواجهة ما يبدو عبثية وغموض ترامب، وحتى تهوره بالخروج عن التقاليد التي اتبعتها الإدارات الأميركية ككل في مقاربة هذا الصراع. 
ان يوم الخامس عشر من كانون الثاني أي بعد أسبوعين انما هو الموعد العظيم لوضع هذا الاستحقاق السياسي ولكن التاريخي المؤجل منذ خمسين عاما، موضع التنفيذ. وبذا فإن السؤال اليوم هو حول مدى قدرة دونالد ترامب وحكومة إسرائيل المتطرفة التصدي فعليا لهذه الموجة العالمية الكاسحة؟ اذا كان التوازن الثلاثي الروسي التركي الإيراني قد اخرج أميركا واقعيا من حل الأزمة السورية. واليوم فإن الدور الأوروبي هو الذي يحدد اطار الحل لتسوية القضية الفلسطينية، بخروج أميركا التاريخي من احتكار ملكية هذا الملف مع خروج باراك أوباما من الحكم. 
وان ما يحدث ويجري أمامنا قد يكون أشبه بالانقلاب الاستراتيجي او الزلزال الجيوسياسي، واذا كان مناسباً الآن الحديث عن استنتاج فهو الخلل الاستراتيجي الذي طالما حذر من عواقبه منظرو الأمن القومي الإسرائيلي منذ ثمانينات القرن الماضي. الثغرة الكبرى المتمثلة بارتهان كل هذه النظرية تحت رحمة دولة واحدة، واعتمادا عليها أي على التبعية لأميركا. 
وما اتضح حقيقة يوم الثالث والعشرين من كانون الأول الماضي في هذا الإجماع الساحق حول قرار مجلس الأمن الدولي، الذي مثل هزيمة ساحقة للتوسعية الإسرائيلية، وقضى تماماً على مستقبل المشروع الاستيطاني، لم يكن بالدرجة الأولى انكشاف هذه القابلية للعطب في الاستراتيجية الإسرائيلية، وإنما انكشاف هذا الخلل الأخطر المتمثل بآفة أخيل، أي الغرور الطائش وانعدام الحكمة والتبصر والاعتدال، كما فقدان ميزة التفوق في نوعية القيادة على محور الزعامة. باعتقاد مجموعة من السياسيين الأقرب في أفكارهم وممارستهم السياسية الى الصبيانية والنزق او الهواة، باعتقادهم الطائش انهم يمثلون مركز العالم او مرجعية هذا العالم. 
وهي ممارسة ما زالت تجد تعبيراً لها في ردود أفعالهم على الضربات التي ما برحوا يتلقونها، بالتلويح أمامنا وأمام أوباما والعالم كما يلوح الصغار قبل موعد المرواح من المدرسة، بأيديهم إشارة لتوعد الآخرين للانتقام. وهكذا يقولون: طيب انتظروا ما سنفعله بكم بعد يوم 20 كانون الثاني. 
والراهن أن أحداً في العالم لا ترتعد فرائصه من هذا التهديد والوعيد الأخرق. وليس السؤال اذا ما كان ترامب راغباً او قادراً، وهذا ما زال سؤالاً كبيراً ولغزاً بحد ذاته. ولكن لأن ميكيافيلي الأريب والداهية هو الذي حدد قاعدة اللعبة أو القانون قبل خمسمائة عام، فإن أردت توجيه ضربة إلى خصم لك فلتكن هذه الضربة موجعة وقاسية إلى الحد الذي لا يستطيع أن يقوم او ينهض من تأثيرها ليردها إليك بالمثل. 
والواقع أن هذا ما فعله باراك أوباما مع نتنياهو وزمرته المتطرفة وما سيفعلونه في باريس، إذا كان يقال أيضاً إن الشهية تأتي مع نوعية الطعام، وما حدث أن التصويت في مجلس الأمن الذي حطم تابو كما خطاب كيري إنما يمثل حافزاً للمضي قدماً. هل نقول بتوجيه الرصاصة الأخيرة الى الاحتلال وقد بات احتلالاً مندحراً؟ أم تراه انتحار إسرائيل الأخير؟ 
في العام 1996 قال عنه عرفات إنه ليس سوى سياسي غِرّ أي يفتقد إلى التجربة والنضج. أما أنا فقلت لعرفات إنه لن يستطيع التصدي لموجة كاسحة. ولم يصمد في الحكم في تلك المرة الأولى سوى سنة ونصف، واضطر بالأخير ان يوقع مع عرفات اتفاق واي ريفر. وفي المرة الثانية سوف يصمد الى الآن لثماني سنوات حتى أنه تفاخر بأنه مكث في الحكم اكثر من بن غوريون، لكن المفارقة اليوم، هل تجري محاسبة هذا الرجل بأثر رجعي عبر هذه المحاكمة الدولية غير المسبوقة؟ تظهر سجل رجل تسبب بكارثة دبلوماسية لا يمكن له إصلاحها، ومن المؤكد ان قوة زخم واندفاع الموجة الراهنة هي اقرب الى تسونامي مقارنة بالعام 1996. فإلى باريس هذه المرة لفرض الحل والتسوية بقوة الإكراه، وفي كل الأحوال فإن خروج هذا الرجل من المسرح بات أمراً وشيكاً إذا كان خروجُه يفتح الباب لقيادة إسرائيلية جديدة.