ببراءة وهو يشاهد نشرة الأخبــار ، وبصفاء نيه ، علق إبني الصغير تعليقاً عفوياً، إعتــَبرتُه عميقاً و الإجابة عليــه تسلتزم إجتماعاً على مستوى القمة ، للباحثين و المحللين و المراقبين .. في التخصصات السياسية و الإستراتيجية و العسكرية و الأمنية ، و التاريخ و الإجتماع و الفلسفة ..
التعليق ببساطة كان كالتالي : " فجأة .. الأخبار تتحدث عن تحرير المُوصل ، و تحرير حلب ، و ضرب داعش و التطرف و الإرهاب ، و أمريكا ضد الإستيطان !! هل تحول العالم فجأة إلى ملائكة ؟ "
ومن منطلق ، التبشير ، و بث الثقة ، و محاولة إبعاد إبني عن منهاج الفكر التآمري ، و الخوف من المجهول ، و الإلتزام بنهج التفكير العِلمي و التحليل المنطقي ، و بعد أن قضيت على ما تبقى من سيجارتي بنَفَسٍ عميــق واحد . و أطلقتُ رشفة الرحمة على فنجــان القهوة ، قلت له : ( و الله يا إبني ما أنا فاهم !! ) ..
فمحاولة جون كيري ، و علها محاولته الأخيرة ، في خطاب العصا و الجزرة التاريخي يوم الأربعاء 29 ديسمبر 2016، أن يمرر فكرة القبول بالدول ( اليهودية ) مقابل دعم حل الدولتين ، و أن رفضها سيؤدي إلى تعنت إسرائيلي لن تستطيع أمريكا منعه ، بل و ستدعمه حتى و إن جنح إلى فكرة الدولة الواحدة ، وهي فكرة مستحيلة التطبيق ، و عليه فسيستمر الإحتلال و الإستيطان و تلاشي الأرض التي كان يمكن أن تقوم عليها دولة فلسطين ( كيان شبه متواصل منزوع السلاح و شبه مستقل و قابل للحياة في ظل إتفاقات دولية ملزمة ) ..ناهيك عن القفزة اللولبية على قضية اللاجئين ، و سقوط حرف العطف من جملة ( العودة و التعويض ) و إكتفائه بضرورة " التعويض" و كأننا في سوبر ماركت " عواد باع أرضه" و كأنه يرسل رسالة لنا ، نحن الفلسطينيون و العرب : إستسلم ليهودية إسرائيل و إعترف بها ، و إقبل بيع اللاجئين و إقبل بالتعويض و التوطين ، تَسلم و تَـغـنم ، و إِلاّ و رغم معرِفتنا بِظلم الإحتـلال و عدم شرعيـة الإستيـطان فسَــندعمُه.
و في محاولة للفهم بتوسيع الدائرة ، و النظر من فوق إلى المنطقة ، تظهر أمامي حلب و معركة الحسم التي يخوضها الجــيش السوري و يحرر حلب من براثن الإرهاب و التطرف و الدواعش و غيرهم ، مُؤيـَّداً بشكل جليّ و صريح من القوات الروسية الخاصة و العادية ، الراجِلة والمحمولة و الطائرة و العائمة و السرية و العلنية ، و قوات إيرانية على الأرض و فوق التلال و الجبال و تحت الأرض و بين الأزقة .. وفي المقابل تتراجع داعش و المرتزقة و المعارضة و داعميها من الأمريكان و الأوروبيين و الترك .. و الأمريكان و الأوروبيين و الترك ، يحاربون ذات الحلفاء من دواعش و متطرفين و مرتزقة الذين زودوهم بالأسلحة و الأموال و المعلومات و الحماية ، في البصرة ، معاً و سوياً مع الجيش العراقي الذي تم إعادة تخليقه و تركيبه وفق معايير ألأمريكان و الناتو ..!!
معادلة متشابكة ، و معقدة ، و صعبة التفكيك و الفهم !! ..
و لكن ، و بما أننا إتفقنا أن " الفوضى" هي كلمة السر ، فما الغرابة في المشهد ؟
نحن الفلسطينيون ، علينا أن نتذكر و لا ننسى ولو للحظة ، المثل العربي الحكيـم الذي يقـــول :
" آخر العلاج .. الكي " ، و برغم كل ما ثبت لنا ، و للعالم ، أننا طلاب سلام ، و حلول هادئة و عقلانية ديبلوماسية و قانونية ، إلا أننا نردد ، و لو همهمة ، أغنية عبد الحليم حافظ الشهيرة : خلي السلاح صاحي صاحي ..


