ليس غريباً أو جديداً على دولة مثل تركيا تتمتع بمكانة وأهمية استراتيجية تسعى كي يكون لها دور في صياغة مستقبل منطقة ذات حساسية بالغة تقع بين أوروبا والشرق الأوسط ومنطقة القوقاز.وقد مرت تركيا بالعديد من التحولات الجذرية والمراحل المختلفة في سياستها الخارجية التي أثرت على علاقاتها مع جيرانها من دول الشرق الأوسط خاصة الدول العربية سواء بالإيجاب أو السلب.ولا شك، فإن هذه الفترة التي تمر بها المنطقة عموماً والأزمة السورية وما تبعها من تدخلروسي وإيراني وغربي هي إحدى أكثر الفترات الحرجة التي تمر بها السياسة الخارجية التركية بشكل عام منذ عام 2002.
فمع أحداث ما يسمى بــــ"الربيع العربي" عام 2011،تبنت تركيا مواقف صارمة جعلتها تبدو في قالب متشدد تجاه دعمها للتغيير الذي سعت إليه الشعوب العربية،وهو ما جعلها تفقد مصداقيتها معحكومات دول الجيران نتيجة لتخليها عن مرونتها السابقة التي كان أعلن عنها "داود أوغلو" في كتابه " العمق الاستراتيجي" حول سياسة تصفير المشاكل، وانه يمكن لــ" تركيا"أن تشكل "النموذج" الذي يجب اتباعه لتحقيق التقدم والتنمية في دول الشرق الاوسط، حيث قامت تركيا باتخاذ مواقف متطرفة ضد النظام السوري الذي كان من أهم الأصدقاء في المنطقة، فتارة نجد تركيا في تحالف مع العربية السعودية وقطر تحت عنوان تغيير النظام في سوريا، وقامت على أثره بالسماح لكل انواع المقاتلين المفترضين بالمرور من أراضيها إلى سوريا، وقدمت كل انواع الدعم للمعارضة السورية ، وثارة ثانية تجدها في وضع يدير اتفاقات ولقاءات مع روسيا وإيران اللتان اعادتا تثبيت النظام السوري بكل قوة من أجل دور هنا وهناك، ولم يعد رحيل النظام السوري شرط، وثارة ثالثة نجد تركيا تذهب بعيداً إلى حد التدخل العسكري في شمال سوريا لمحاربة "داعش" بالاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية.
ولعل ما نقلته مصادر ديبلوماسية من ان العربية السعودية اصيبت بخيبة أمل كبيرة جراء التغيير الحاصل في توجهات تركيا من التنسيق مع الرياض الى التنسيق مع طهران وموسكو حول الملف السوري لدليل على حالة التغيير والتخبط التي أصابت السياسة التركية.
تركيا "اتاتورك" وتركيا "اردوغان" وما بينهما، هي تركيا المتغيرة باستمرار تبحث عن ثوب مرة بالوان غربية أوروبية ومرة أخرى بألوان شرقية، وهنا لابد من القول ان استمرار الدور التركي وتطوره وتحديد جغرافيتهمرهون بالضغوط التي تواجهه وكيفية معالجتها له، ولاسيما مع صعوبة الحفاظ على الصيغ التوافقية التي تطرحها تركيا بين سعيها لتحقيق مصالحها الوطنية عبر فتح آفاق مع روسيا اللاعب الرئيس في الساحة السورية والداعم لبقاء النظام السوري من جهة، ودورها كحليف للولايات المتحدة والغرب الذي رأي في رحيل الأسد وتغيير النظام شرط رئيسي لحل الأزمة في سوريا من جهة ثانية، والترويج لدورها كفاعل إقليمي يسعى إلى تحقيق الاستقرار في منطقة حبلى بالتطوراتوبالمنافسين من جهة ثالثة، مع تأكيد عدم التعارض بين هذه الأبعاد وتكاملها مع بعضها البعض.
الفجوة كبيرة بين الطموح بأن تصبح قوة إقليمية وبين السياسيات التي تمارسها لتحقيق هذا على أرض الواقع، فالأمور كانت ستختلف كثيرًا،لو أنتركيا تصرفت على نحو أكثر حكمة وعقلانيًة تجاه الأحداثفي سوريا التي شكلت "البايلوت" للعلاقات والتحالفات والمصالح في المنطقة.
فحلم تركيا بأن تصبح قوة إقليمية، جعلها تسيئ تقدير مدى قوتها الفعلية، وقدرتها على الوقوف في وجه التيار المتعلق بوجود قوى إقليمية كبرى وبتغيير معالم نظام دولي، وهو ما جعلها في بحث دائم عن ثوب لم تجد ألوانه بعد.


