سيلفظ العام 2016 أنفاسه الأخيرة بعد خمسة أيام، غير مأسوف عليه، وهو العام الذي اتسم بالتوحش والعربدة، وقد توج بدحر منظومة القيم الإنسانية والمعايير الحقوقية والقانونية التي بدأت بالتداعي منذ العام 1990 من القرن الماضي، وبلغت أوجها في العام 2016.
صعد دونالد ترامب للرئاسة الأميركية في سياق خروجه عن المألوف في أكثر من مجال حيوي، حين أعلن عزمه تعزيز وتوسيع القدرات النووية الأميركية وما قد يعنيه ذلك من عودة لسباق التسلح، وسيعيد النظر في الاتفاقات الاقتصادية مع الصين وما يترتب على ذلك من توتير للعلاقة معها، مقابل التقارب والتعاون مع روسيا، لكنه سيتسابق معها في التسلح، وإعادة النظر في معاهدة باريس للمناخ، وكذلك إعادة النظر في الاتفاق مع إيران.
وسياسة ترامب الاقتصادية ستقود نحو مزيد من الإفقار، وثقافة ترامب ستؤدي إلى إشعال التوترات العرقية داخل الولايات المتحدة.
أي نظام دولي سيسود؟ لقد ولى نظام القطب الواحد، لمصلحة نظام متعدد الأقطاب، لكن التعدد الجديد يختلف عن التعدد السابق الذي استفادت منه شعوب ودول وحركات تحرر، بينما التعدد الجديد جاء في سياق بحث الدول الكبرى عن مصالحها الخاصة فقط.
التعدد القديم استخدم حقوق الإنسان والحريات والانتهاكات في عملية الاستقطاب، لكن التعدد الجديد يستخدم سحق حقوق الإنسان والحريات في تقوية النفوذ والهيمنة كما فعلت أميركا في العراق وروسيا في سورية، وكما أجحفت الصين الشيوعية بحقوق العمال في مشاريعها الصناعية الكبرى.
بناء على ذلك تستطيع قوى التحرر رفض هذا القطب أو ذاك، لكنها لا تستطيع التعويل والذهاب في استقطابها مع بلد من نوع روسيا اليوم التي تنحاز لترامب وتذود عن دكتاتوريات هنا وهناك في مواجهة شعوبها.
وصلت إسرائيل إلى طور جديد تعزز بصعود ترامب الذي أخذ يتطابق مع سياسات "نتنياهو، بينيت، ليبرمان" العدمية المتطرفة، وقدم نماذج أولية للتطابق كتعيين سفير أميركي هو الأكثر تطرفاً وانحيازاً للسياسات الإسرائيلية المتطرفة، وكمحاولة إبطال التصويت على مشروع قرار مجلس الأمن. سياسات ترامب المنحازة أشعلت التطرف الإسرائيلي إلى الحد الأقصى، ودفعت نتنياهو إلى ازدراء هيئة الأمم المتحدة والدول الأعضاء التي صوتت مع القرار، متحدياً الشرعية الدولية ورافضاً قراراتها وشاطباً للقانون الدولي بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة.
لم يضع نتنياهو إسرائيل فوق القانون بدعم أميركي كما كان عليه الحال سابقاً، بل تعامل مع قانون شريعة الغاب وغطرسة القوة ". مجموعة مواقف بينيت ليبرمان ومجلس المستوطنات، بمثابة قانون بديل للقانون الدولي. كان الرد على القرار الذي وصفه نتنياهو بالمشين، بالرفض وعدم الاعتراف به والعمل بنقيضه.
جاء النقيض سريعاً بمصادقة لجان التخطيط والبناء الإسرائيلية على بناء 5600 وحدة استيطانية، وشرعت حكومة نتنياهو بتوقيع عقوبات ضد الأمم المتحدة والدول التي أيدت القرار، كوقف تمويل إسرائيل لمنظمات تابعة للأمم المتحدة، وكاستدعاء الـ15 سفيراً للبلدان المصوتة بغية توبيخهم! كان حظ السنغال في العقوبات هو الأوفر لأنها ألأضعف وذلك حين ألغت حكومة نتنياهو برنامج المساعدات بما في ذلك وقف مشروع شبكة الري وإلغاء زيارة وزير خارجية السنغال المقررة لإسرائيل.
العقوبات شملت أوكرانيا بإلغاء زيارة رئيس وزرائها إلى إسرائيل. وشملت العقوبات استدعاء سفيري إسرائيل في نيوزيلندا والسنغال للتشاور في العقوبات. ولم يفلت الرئيس الأميركي أوباما من العقاب الذي تجلى في حملة تشهير من الوزن الثقيل كاتهامه بالعداء للسامية، وبأنه تآمر على إسرائيل وخانها. ولم تسعفه مواقفه الداعمة بقوة لإسرائيل في الإفلات من العقاب، فهو بحسب الصحافي الإسرائيلي بن كسبيت: "خدم أمن إسرائيل أكثر من أي رئيس آخر، دعم إسرائيل بـ36 مليار واستثمر مليارات أخرى في القبة الحديدية واستخدم الفيتو ضد قرارات عديدة".
التوحش والتمرد الإسرائيلي الذي بلغ ذروته بمعاقبة دول ومنظمات تدافع عن القانون الدولي، هو نتاج طبيعي لسياسة تنصيب إسرائيل دولة فوق القانون، ولسياسة غض النظر والتهاون، تلك السياسة التي ثابرت الإدارات الأميركية المتعاقبة على اتباعها والذود عنها بالفيتو وبإغداق المساعدات ومعاظمة القوة العسكرية.
وإذا كان دعم إسرائيل وحمايتها يجسد المصالح الأميركية والإسرائيلية، فهل وضع هذه الدولة فوق القانون هو جزء من تلك المصالح؟
الجواب هو نعم، ففي عصر التوحش اندمجت حماية إسرائيل بوضعها فوق القانون. ولم يعد الأمر يقتصر فقط على إسرائيل وأميركا، فقد تركت تلك العلاقة الشوهاء بصماتها على العلاقات الدولية في زمن التوحش، فالكثير من الأنظمة تحذو الآن حذو إسرائيل تقريباً في تمردها وانتهاكاتها وفي البحث عن حماية لها وفي التملص من العقوبات، فإذا كانت الترامبية هي التجسيد الحي للتوحش الاقتصادي والسياسي والعسكري، فإن الاستيطان والسعار الإسرائيلي في حمايته هو التجسيد الملموس لتوحش الاحتلال المحمي من الكبار.
في ظل تلك المعادلة أصبح النقد والضغط والعقوبات والاحتجاج على التوحش الإسرائيلي محظوراً ويعاقب كل من يمارسه بدءاً من اليونيسكو مروراً بمجلس حقوق الإنسان وانتهاء بالأمين العام للأمم المتحدة، ولا يستثنى من ذلك منظمة الأمنستي لحقوق الإنسان وحتى منظمات حقوقية إسرائيلية مثل "بتسيلم".
تلك السياسات تنتج فقط كراهية شديدة ينبثق عنها دواعش، فالتوحش لا ينتج إلا توحشاً.
وخَلَّفَ لنا العام 2016 فوضى في المعايير دفعت نحو استقطاب حاد بين قطبي ثنائية متوحشة. أذهلني تأييد كثيرون نظام الأسد ومباركتهم له بالانتصار في حلب بعد الحصيلة المأساوية التي عاشها ويعيشها الشعب السوري. لقد تأسس تأييد هؤلاء على ركيزتين، الأولى هي رفض الإرهاب بكل ألوانه وداعميه من أول المعسكر إلى آخره، باعتبار الإرهاب ليس خياراً ولا بأي حال من الأحوال، وهنا لا خلاف أبداً حول رفض ومقاومة الإرهاب ودحره، والركيزة الثانية: هي دعم النظام الديكتاتوري باعتباره البديل الوحيد للإرهاب. هنا يكمن الخلاف. لأن تأييد أي شخص منحاز لحرية الشعوب وحقها في تقرير مصيرها يفترض أن يخضع لعناصر أساسية مبدئية، أولها الحرية الفردية والعامة والديمقراطية. كيف يمكن تأييد نظام يسحق بكل قوة وبلا هوادة الحريات في أيام السلم وأيام الحرب على حد سواء؟ كيف يمكن لمناضل من أجل الحرية أن يؤيد نظاماً يسحق الحرية؟ وثانيها: الانحياز للفقراء والسواد الأعظم من الفئات الشعبية، كيف يمكن الانحياز لهيمنة طغمة اقتصادية أمنية على مقدرات بلد، على حساب ذلك السواد الأعظم. وبلغة يسارية كيف يمكن الانحياز لبرجوازية كومبرادورية هدفها النهب ومضاعفة الربح على حساب الكادحين وهم السواد الأعظم من الشعب السوري، وثالثا: حل المسألة الوطنية، كيف يمكن الانحياز لنظام عاجز عن حل المسألة الوطنية على امتداد نصف قرن؟ ورابعاً: كيف يمكن الانحياز لنظام يعتمد على مليشيات طائفية فاشية لا تقل سوءاً عن "داعش"؟
إن تطبيق المعايير بموضوعية ونزاهة سيقود إلى البحث عن خيار خارج الثنائية القاتلة.
Mohanned_@yahoo.com


