أخرجت معركة حلب الأخيرة وبشكل مرعب مخزوناً هائلاً من الطائفية والتعصب الديني والعرقي الذي اتضح انه يكمن عميقاً في وعي المواطن العربي والمسلم.
كانت الكتابة عن حلب: المعركة والمعاناة والوضع السياسي، وبتجرد مسألة في غاية الصعوبة، فالانحراف الطائفي القبيح طغى على الموقف الإنساني الذي كان يُفترض ان يكون العنوان الرئيسي لما حدث في حلب، فبدلاً من أن تتوجه القلوب لتتحد مع من يعانون تحت ويلات الحرب، رأى البعض في تلك المعاناة فرصة للرقص في ساحة الخلافات المذهبية والعرقية بشكل كان مقززاً في أحيان، ومثيراً للدهشة والاستهجان في أحيان أخرى!
الإرث الطائفي يعود إلى أكثر من أربعة قرون يخبو أحياناً ويطفو على السطح في مراحل تاريخية أخرى، لكن أبداً لم تنطفئ جذوته، وها هو اليوم يعود بشكل أصبح معه من أبرز أسباب انحراف معارك العرب والمسلمين الحيوية والاستراتيجية، التي جعلتنا ندور في دائرة التخلف والجهل والخرافة، بدلاً من الإبداع والتصنيع والانتاج!
لقد عاش المسلمون والعرب قرونا طويلة ضمن حلقة الطائفية الضيقة.. وهو امر ادى خصوصا في بداية هذا الانشقاق المذهبي الى حروب ومعارك لا يزال التاريخ الاسلامي يسترجعها! فما الذي تغير اذا اليوم؟! وما الذي يجعل اصحاب العقول المستنيرة يصرون الآن على التذكير والتحذير من شرارة ولهب الطائفية؟
لا شك في ان السبب هنا يعود الى ان الهوية الطائفية تحولت اليوم في الغالب الى برنامج سياسي ومشروع تنافسي جعلا من الهوية والعرق اداة صراع لا يختلف عن اي صراع اقتصادي او سياسي آخر!
لا نريد ان نلقي بتبعات مثل هذا الانقسام الطائفي على الغرب وحده على الرغم من انه يتحمل جزءاً من ذلك كونه لعب بورقة الانقسام الطائفي لبسط نفوذه في المنطقة! وانما نريد ان ننظر الى دواخلنا جميعا الى نزعة الاغراق بهويتنا نحو الطائفة وبشكل يطغى كثيرا ويتداخل سلباً مع مواقفنا الانسانية وكما حدث في الحالة الحلبية!
كان من الواضح ان «الخطاب الانساني» في الحالة الحلبية قد حمل اكثر من لهجة عبّرت عنها وسائل الاعلام، كل بحسب هويته، لكن لم يتحدث احد منها بلهجة انسانية خالصة!
فلو كان الحس الانساني المجرد هو المحرك في الحالة الحلبية، لشهدنا له ارتدادا وامتدادا مشابها في الحالة اليمنية التي يفوق ضحايا الجوع فيها ضحايا القصف، والحالة الصومالية التي اصبح فيها الموت هو القاعدة لا الحياة، وفي حالة الموصل التي توسد اهلها الارض والتحفوا السماء!
للاسف ان اغلب الذين تحدثوا عن حلب في اجهزة الاعلام الرسمي لم يكن دافعهم انسانيا مجردا.. وانما ما تشكّله حلب من اهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة للاطراف المتنازعة منذ عهود سابقة!
سعاد فهد المعجل
Suad.almojel@gmail.com


