خبر : داعش يبتعد عن حلم الدولة الاسلامية \ تسفي برئيل \ هآرتس

السبت 03 سبتمبر 2016 01:13 م / بتوقيت القدس +2GMT



قتل أبو محمد العدناني، المتحدث باسم الدولة الاسلامية، والذي كان مسؤولا عن نشاطها في سورية، هذا الأسبوع، لا يقضي على المنظمة الجهادية، لكنه يساهم في تقليص الصف القيادي رفيع المستوى فيها. اذا كان يمكن اعتبار ما ينشره داعش تعبيرا عن مزاجه، فان الاعلان عن موت العدناني في القصف الجوي الامريكي، يكشف عن احباط التنظيم، وطبيعة استراتيجيته القادمة. “هل تعتقدين يا امريكا أن انتصارك سيتم من خلال قتل قائد واحد أو أكثر. هذا انتصار مزيف. هل انتصرت امريكا عندما قتلت أبو مصعب (الزرقاوي، قائد القاعدة في العراق) أو أبو حمزة أو اسامة بن لادن؟ هل ستنتصر ايضا بعد أن قتلت عمر الشيشاني وفلان أو علان؟ هل تعتقدين يا امريكا أن هزيمتنا ستكون بسبب فقدان مدينة أو منطقة جغرافية؟ هل هزمنا عندما فقدنا مناطق في العراق وبقينا في الصحراء بدون مدينة أو ارض؟ هل سنهزم اذا أُخذت منا الموصل أو الرقة أو كل المدن، وعدنا الى نقطة البداية؟ الهزيمة هي فقدان الرغبة في القتال".

هذا هو الاعلان الاستثنائي الذي يهدف، كما يبدو، ليس فقط الى رفع معنويات المقاتلين، بل ايضا للاعداد لـ “الخسارة” القادمة التي يتوقعها داعش. اضافة الى ذلك، هذا يشير الى استعداد المنظمة لتغيير استراتيجيتها التي ميزتها منذ بدأت حملة الاحتلالات في سورية والعراق في حزيران 2014. التجديد الاساسي الذي قدمه داعش في حينه هو السيطرة على مناطق كبيرة في العراق وسورية، وانشاء تواصل جغرافي واعتباره “الدولة الاسلامية"، وفي ادارة تلك المدن والمناطق وكأنها دولة، وفي تفعيل مصادر التمويل غير الاعتيادية، مثل بيع النفط، والمحاصيل الزراعية وجباية الضرائب والرسوم، وتشغيل جهاز دعائي ناجع ومهني غير مسبوق. عندما يتحدث داعش عن نقطة البداية- فهو يعود الى الفترة التي كان فيها منظمة صغيرة ودموية في العراق. ويمكن ايضا الى الفترة التي كان فيها جزءً لا يتجزأ من القاعدة في العراق.

هذا البيان لا يشكل بعد اعلان استسلام أو اعتراف بالفشل، ولكن بعد أن سيطر الاكراد في سورية على مدينة منبج، وبعد ذلك سيطر الاتراك والجيش السوري الحر بدون قتال على مدينة جرابلوس وسيطروا على منطقة تبلغ مساحتها 400 كم على طول حدود سورية الشمالية، وبعد أن تم تحرير مدينتي الرمادي والفالوجة في العراق، وتتواصل التحضيرات لاحتلال الموصل والرقة، فان داعش يستخلص الدروس. من يبحث عن دلائل اخرى على التحول المتوقع في مكانة المنظمة يمكنه ايجادها في الصراعات التي تحدث بين الموالين له ومن انشقوا عنه، خصوصا بين المليشيات العراقية والقبائل السنية في العراق على خلفية توزيع الغنائم بعد سقوط الموصل. لم تعد هذه صراعات محلية كتلك التي حدثت في محيط مدينة دير الزور، في شمال شرق سورية، في الاسبوع الماضي، أو في مدينة حويجة في العراق، أو بين جهاديين تونسيين ونشطاء من دول ليست عربية على خلفية تصفية الحسابات الداخلية، فالآن لا يعم الهدوء على مستوى قيادة داعش.

أحد الصراعات المعروفة أكثر حدثت بين العدناني (اسمه الكامل: طه صبحي فلاحة) وبين أبو لقمان (علي موسى الشواخ) حول ادارة المعارك في سورية. العدناني، وهو من مواليد ادلب في شمال سورية، كان سجينا لعدة سنوات في العراق، بل تم التحقيق معه من قبل القوات الامريكية بسبب عضويته في القاعدة. وبعد اطلاق سراحه من السجن في 2010 انضم مجددا الى صفوف القاعدة ومنها انتقل الى داعش وعمل تحت قيادة أبو عمر البغدادي. وتم ارساله الى سورية من قبل وريث أبو عمر، أبو بكر البغدادي، القائد الحالي لداعش. وقد خرج معه الى سورية أبو محمد الجولاني، ايضا، الذي أقام منظمة جبهة النصرة التي تحولت مع مرور الوقت الى أحد خصوم داعش.

لقد تم تعيين العدناني متحدثا باسم داعش، وألقيت عليه مهمة ادارة نشاط المنظمة خارج الدول العربية، ومن ضمن ذلك التخطيط للعمليات في اوروبا. وعندما أصيب البغدادي في القصف الجوي قبل عام، تم ذكر اسم العدناني كأحد المرشحين لخلافته. ولكن ليس مرشحا مركزيا لأنه لا يعتبر ملما بما يكفي بالتعاليم الدينية. بالإضافة الى العدناني ذُكر اسم أبو لقمان كمرشح لمنصب حاكم الرقة، عاصمة الدولة الاسلامية. وقبل نحو اربعة اشهر، بعد معارك شديدة بين داعش والاكراد في شمال الرقة، قرر البغدادي نقل أبو لقمان الى العراق، ومنح العدناني مسؤولية النشاط التنفيذي في ارجاء سورية.

ثقب اسود في سورية

حسب اقوال فارين من صفوف داعش، فان عملية الاستبدال في سورية لم تتم فقط بسبب الفشل العسكري لأبو لقمان، بل، وربما في الأساس، على خلفية الخلافات بينه وبين العدناني وبسبب الاشتباه بأن أبو لقمان يبني لنفسه مركز قوة قد يهدد البغدادي. لقد بقي قائد داعش الآن مع القليل من القادة رفيعي المستوى الذين يمكنه أن يثق بولائهم. ولكن اذا زادت هزائم داعش، وخصوصا اذا تم تحرير الموصل والرقة، يتوقع أن ينشأ صراع داخلي كبير، يمكن أن يؤدي بالقيادة الى تصفية الحساب مع البغدادي، بل ربما إقالته. وفي نفس الوقت ليس من الواضح كيف سيتصرف المتطوعون من الخارج، لا سيما من الشيشان ودول القفقاز، اذا شعروا أن داعش بدأ بالانهيار. عدد كبير من هؤلاء المتطوعين يرتبطون بمنظمات راديكالية تعمل في القفقاز ضد روسيا ما يعني ان لديهم مكان يرجعون اليه. بينما في المقابل، سيضطر المتطوعون السوريون والعراقيون الذين يشكلون اغلبية نشطاء داعش، الى ايجاد ملجأ، سواء في الدول العربية الاخرى مثل ليبيا أو اليمن، أو اقامة منظمات ارهابية جديدة تعمل ضد النظام الذي سيقام في سورية وضد حكومة العراق. هكذا يتحول داعش الى قوة اخرى على الساحتين السورية والعراقية ولن يكون قادرا على حسم المعركة، لكنه يمكنه التسبب بالقتل والدمار.

من حسن حظ داعش، انه ليس وحده الغارق في الصراعات الداخلية. فالمليشيات السورية والاكراد والامريكيين والعراقيين والايرانيين والاتراك ايضا محاصرون داخل دائرة مكتظة بالمشاكل لا يمكن التحرر منها. وهكذا تجد واشنطن نفسها تلعب دور شرطي المرور وسط جزيرة طرق، وتلوح بيدها في جميع الاتجاهات. قبل اسبوع فقط هدد جون كيري الاكراد بأن لا يتجرؤوا على اجتياز نهر الفرات وأمرهم بالانسحاب نهائيا من منبج. المديح الذي كالته الولايات المتحدة للعملية التركية في شمال سورية، اضطرت الى ابتلاعه خلال فترة قصيرة بعد أن اتضح لها أن الخطة لا تسير حسب الصيغة التي تحدثت عنها أنقرة. إلا أنه يوجد فرق بين كبح الاكراد وكبح الجيش التركي الذي يواصل التقدم جنوبا من اجل اقامة منطقة عازلة في الاراضي السورية. الولايات المتحدة تريد القضاء على داعش، أما تركيا فتريد القضاء على داعش والاكراد. هذه الطموحات متناقضة، لأنه من اجل القضاء على داعش هناك حاجة للاعتماد على الاكراد.

صحيح أن داعش تراجع، ولكن من الذي سيسيطر على المناطق التي تركها؟ الاكراد؟ لا سمح الله، هذا يعني اقامة كانتون كردي مستقل في شمال سورية. المليشيات السورية؟ بالطبع لا، لأن بشار الاسد سينتصر حينها. الى هذا الفراغ يدخل الاتراك. ففي غياب صيغة لإنهاء الازمة أو المرحلة التي تليها، يمكن أن تكون المرحلة القادمة مشابهة لما حدث في العراق بعد انسحاب القوات الامريكية في 2011 – حرب اهلية. لكن ذلك لن يثير اهتمام واشنطن أو روسيا. كما لم يعد العراق مهما، الى ان قام تنظيم داعش باحتلال مناطق منه.

التجربة على الساحتين اللبنانية والافغانية، اليمن وليبيا والعراق، تشير الى أن الحرب الاهلية ليست جبهة مغلقة، بل هي ثقب اسود يجذب اليه قوات خارجية ويبتلعها. هذا التطور اكثر خطورة من الوضع الراهن في سورية، حيث لا يزال هناك تعاون على مستوى معين بين القوى العظمى والدول المشاركة في الحرب. وينضم الى ذلك السؤال المتكدر حول هوية الرئيس أو الرئيسة القادمة للولايات المتحدة: هل ستقلص هيلاري كلينتون الخسائر وتسحب يدها من سورية وتعطي روسيا المجال لادارة الساحة بشكل منفرد، على حساب الضربة على الساحة الجماهيرية الدولية. أم أن دونالد ترامب، الانفصالي، سيقوم بهذا العمل لصالح الولايات المتحدة.