يستفزني منظر العربي ، منا ، و هو يرحب بشكل مبالغ فيه بأجنبي زائر .. مطبقاً المثل الشعبي القائل ( زقزق .. رقص ) ، أي أنه يرقص بمجرد سماعه زقزقة العصفور .. أقول هذا ليس لأني أنكر على أبناء جلدتي ، لا سمح الله ، صفة أصيلة ، و هي الكرم و حسن الضيافة ، بل لأنني و أعتقد أن الكثير غيري لاحظ المبالغة في هذا الكرم إلى حد التودد ، و من ثم المبالغة في هذا التودد ، إلى درجة النفاق ..
نفرح و تكاد الدنيا لا تسعنا إذا راينا أو سمعنا أجنبياً أو أجنبية ، يقول لنا بعربيةٍ مكسرةٍ و مشحرة " السلامو آلايكم " و ياسلام لو كان القائل باراك أوباما الرئيس الأمريكي ، كما فعل في خطابه الذي سبى عقولنا و إستهلك ساعات و ساعات من البث التلفزيوني و الإذاعي ، و المقالات لتحليل خطابة الأول في جامعة القاهرة و زيارة الأزهر ، و رمزية الزيارة و الكلمات و اللفتات و الهمسات و الغمزات ..
نطير و نكاد نرقص عندما نرى شقراء صفراء بعيون زرقاء ، تأكل الفول و الفلافل ، و تزورنا في بيتنا .. نكاد نزغرد فرحاً و طرباً و خُيَلاء ، عندما يتعاطف معنا ، أو مع اي قضية من قضايانا ، أو حتى يذكر إسم دولة من دولنا أجنبي في فيلم ، أو لقاء !!..
هذا النقص ، و هذه الخلخلة في إحترام الذات ، يقابلها العكس في بلاد ما وراء البحار و المحيطات ، في بلادهم هم .. هل رايت لافتة في أي شارع في أمريكا مكتوبة إضافة للغة الإنجليزية ، بالعربية مثلا ، أو الروسية أو الصينية ؟ إلا إذا كان صاحب المحل أو المطعم عربياً أو صينياً أو هندياً .. هل رأيت روسياً أو ألمانياً لا يفضل أن تكلمه بلغته ؟ أنا هنا لا أريد أن أبدو و كأني عدو الآخر ، أو عنصري ، و لكني ، أتساءَل عن سبب غضب الأجانب و محاولاتهم المستميته لتصحيح طريقة لفظنا لأسمائهم ، مثلا ، إذا لفظت إسم جوناثان ، جوناسان ، يُصحِّحونهُ لك عشر مرات ، حتى تَلفِظه كما هو ، بينما نتبرع نحن بكتابة حتى إسم رسولنا محمد عليه الصلاة و السلام ، بطريقة لفظهم الخاطئ " موهاميد " ، و الغريب أيضاً أننا نسمي بلادنا بمسمياتهم ، مثل مصر : إيجبت ، فلسطين : بلايستاين ، بينما لا نسمي نحن بلادهم بمسمياتنا ، مثل فرنسا : الفرنجة ، إيطاليا : الروم ، إسبانيا : الأندلس !! .. و نتداول ما أورثوه لنا من تسميات لئيمة عنصرية ، حاقدة ، خذ مثلا : الزنوبة و الخدوجة ، أعزكم الله ، لفظان مهينان لصاحبات الحضرة الشريفة ، سيدتنا زينب رضي الله عنها ، و سيدتنا خديجة رضي الله عنها ..و سنباد بدلاً من سندباد .. يجعلون إسمه ( سن باد ) بمعني ( الآثم السئ ) ، و غيرها و غيرها الكثير مما لا أحيط به و أكاد لا أحصيه من التسميات و الرموز التي تعكس مدى معاداة الأجنبي لثقافتنا ، في مقابل تذللنا ، و تقزمنا أمامهم و أمام ثقافتهم ..
بالطبع هذا الشعور ، يتطور ليتخذ أشكالا أخرى في التعامل ، بدءاً من الملبس و المأكل ، إلى العادات و التقاليد ، إلى المعتقدات ذاتها ، إلى السلوك الإجتماعي و المفاهيم السياسية ، و الترويج لبضائعهم أكثر عبر ما يسمى بالمنظمات الحقوقية و الإنسانية و المجتمع المدني و ما إلى ذلك .. ( كثير منها و ليس كلها حتى أكون منصفا) .
و آخر صيحة إجتاحتنا ، و صاحبت بشكل غريب ، الحراك الفلسطيني الأخير ، و الهبة الجماهيرية دفاعاً عن الأقصى و القدس .. فبرزت بين ظهرانينا مظاهر تصور لنا أن " اليهود " الحقيقيون ، يُحرِّمون الدخول لمسجدنا الأقصى المبارك ، و أن أكثر من مائة حاخام وقعوا على عريضةٍ تُفتي بِحُرمةِ الدخول إلى الأقصى المبارك ، و بدأَ سيلٌ من الفيديوهات ، و الأخبار ، و الصور ، التي تظهر يهودياً متدينا يحمل لافتة ، يقول إن إسرائيل لا حق لها في فلسطين ، و أن الأقصى ليس لليهود ، و أنه يهودي و لكن ليس صهيوني ، و إسرائيل لا تمثله .. كل هذا جيد ، و نحن نعرف أن هناك طرقاً و مذاهبَ يهودية ، أقلية صغيرة ضئيلة جداً ، مثل يهود ناطوري كارتا ، و هي حسب بعض المراجع تسمية أساسا باللغة الآرامية "נטורי קרתא " و تعني حارس المدينة" ; و باللغة العبرية "שׁוֹמְרֵי הָעִיר" ، و هي حركة يهودية أرثوذكسية ترفض الصهيونية بكل أشكالها وتعارض وجود دولة إسرائيل. تعدادهم يقارب خمسة الآلاف فقط ، ويتواجدون في القدس ولندن ونيويورك ، تم تأسيسها في سنة 1935و تعارض هذه المجموعة المبادئ الصهيونية وتنادي بإنهاء سلمي للكيان الإسرائيلي. حيث أنها تقتنع بأنه يمنع اليهود من الحصول على دولة خاصة بهم حتى مجيء المسيح ( ليس عيسى بن مريم ) ومعظم أتباع هذه الطائفة ينحدرون من أصول مجرية وليتوانية .و يهود الطائفة السامرية ، مثلهم ، و يرفضون حتى الجنسية الإسرائيلية ، و هم يعتبرون فلسطينيون يهود ، و لهم ممثل في البرلمان الفلسطيني .. و تقول المراجع أن الطائفة السامرية (أو السُمَرة) (بالعبرية : שומרונים, شمرونيم) وفي التلمود يعرفون باسم כותים كوتيم. هي مجموعة عرقية دينية ، تنتسب إلى بني إسرائيل وتختلف عن اليهود حيث أنهم يتبعون الديانة السامرية المناقضة لليهودية رغم أنهم يعتمدون على التوراة لكنهم يعتبرون أن توراتهم هو الأصح وغير المحرف وأن ديانتهم هي ديانة بني إسرائيل الحقيقة. يقدر عدد أفرادها بـ 783 شخص موزعون بين مدينة نابلس ومنطقة حولون بالقرب من تل ابيب.
و هنا نخلص ، إلى أن هذه الطوائف ، و الطرق ، و المذاهب اليهودية ، تعدادها لا يتجاوز الستة أو سبعة ألاف شخص .. و بذلك هم لا يمثلون رقماً أو نسبة تجعلنا نطبل و نزمر و نرقص فرحاً ، و إن كنا نحيي مواقفهم السياسية ، و لا نتدخل في معتقداتهم الدينية ، فنحن نحترم الدين اليهودي بالمجمل .. و لكني هنا أشير إلى أن عدد الأخبار ، و الصور ، و الفيدوهات ، و التقارير التي تحدثت عنهم ، أكثر من تعدادهم ، و أوهمت ، ربما ، أو حاولت أن توهم المتلقي العربي ، أن هناك تياراً ضخماً يرفض ما تقوم به إسرائيل شعبا و حكومة ضد القدس الشريف و الأقصى المبارك .. و هذا غير صحيح .
مرة أخرى ، يا ليتنا نتخلص من عقدة الأجنبي ، و من الشعور بالتدني و التقزم ، و نعتز بثاقتنا و معتقداتنا .. حتى لا نرقص ،كلما زقزق الأجنبي لنا ..


