غزة /وكالات/ بعد انتهاء حرب الأيام الإحدى والخمسين التي شنتها قوات الاحتلال الإسرائيليّة على قطاع غزّة في الصيف الماضي، يواجه الغزاويّون صعوبات في إصلاح منازلهم وإعادة إعمار ما هدمته الحرب.
وهؤلاء لم يوفّروا وسيلة إلا ولجأوا إليها بحثاً عن مواد البناء المفقودة من الأسواق بفعل الحصار الإسرائيلي الخانق، والتضييق الشديد على دخول مواد البناء من إسمنت وزلط ورمال وغيرها.
وشن الاحتلال الإسرائيلي حرباً عدوانية على القطاع في السابع من تموز الماضي، استمرت 51 يوماً، وأسفرت عن تدمير أكثر من 60 ألف منزل كليا وجزئياً، واستشهاد أكثر من 2160 فلسطينيًا وإصابة 11 ألفاً آخرين.
ويكثر الحديث أخيراً عن "كوبون (قسيمة) الإسمنت" الذي يتيح لصاحب المنزل المتضرّر الحصول على كميّة معيّنة من مواد البناء، تلائم حجم الأضرار التي أصابت منزله، فوزارة الأشغال العامة والإسكان كانت قد باشرت بتوزيع هذه القسائم لإعادة إعمار مئات المنازل المدمرة جزئياً، وفق آلية وضعها منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط روبرت سيري.
لكن عمليات تسليم الإسمنت عبر الجهات المعنيّة كانت تسير ببطء شديد، أما المفاجأة ففي الكميات غير الكافية.
وأعلن المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، روبرت سيري، في تشرين الثاني الماضي أن 25 ألفًا من أصحاب المنازل المدمرة جزئياً في قطاع غزة، سيتمكنون من تسلم مواد البناء من أجل ترميم بيوتهم المتضررة بداية من كانون الأول الماضي.
وبعد طول انتظار، حصل عبد الله الحاج أحمد على كمية من الإسمنت، لا تكفيه لإصلاح منزله المهدم. ويقول: "لذا وخوفاً من تلف الإسمنت، اضطررت إلى بيعه في السوق السوداء وأمّنت غذاءً لأطفالي".
لكن الأمر لا يقتصر على أصحاب المنازل المتضررة. فالمواطنون العاديون بقطاع غزة يشكون أيضاً من الارتفاع الكبير في أسعار الإسمنت في السوق السوداء ومن صعوبة الحصول عليه. لذا راحت عمليات الإصلاح تقتصر على ما هو ضروري فقط.
أحمد معمر لا يملك سوى مبلغ متواضع لبناء غرفة نوم صغيرة تكفيه وزوجته المستقبليّة في منزل أهله. يقول: "كنت أتمنى لو استطعت بناء شقة كاملة لي ولخطيبتي. فتوجهت إلى السوق السوداء
وكان سعر الكيس الواحد 150 شيكلاً (38.4 دولاراً أميركياً). فقرّرت انتظار انخفاض السعر، علماً أن سعره العادي لا يزيد على 25 شيكلاً (6.4 دولارات)".
وبعد عناء شهرين، نجح معمر في الحصول على بضعة أكياس لقاء 70 شيكلاً (نحو 18 دولاراً) للكيس الواحد. لكن ما ابتاعه لم يكفه. وعندما قصد السوق السوداء مرّة أخرى قبل أقل من أسبوع، وجد أن سعر الإسمنت ارتفع ليصل من جديد إلى 150 شيكلاً.
يضيف: "المال المتبقي لا يكفي لاستكمال بناء الغرفة. وسأضطر إلى تأجيل موعد زفافي حتى ينخفض سعر الإسمنت".
إلى ذلك، كثيرون هم المتضررون الذين باعوا في السوق السوداء ما يملكونه من إسمنت، على الرغم من أنهم في أمسّ الحاجة إليه، في حين يقصد المحتاجون إلى الإسمنت السوق نفسها لشرائه بأسعار مرتفعة.
المهندس محمد مقداد مدير إحدى شركات المقاولات والبناء في غزّة، يشتري الإسمنت الإسرائيلي من العائلات المتضرّرة بعد استلامها "الكوبونات" من الجهات المعنيّة. يقول إن "المتضرّر يستلم كوبون الإسمنت من وكالة (غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين) الأونروا أو وزارة الاقتصاد بسعر 550 شيكلاً (141 دولاراً) للطن الواحد، في المقابل نشتريه نحن منه بسعر يتراوح ما بين 1000 و1200 شيكل (257 - 513 دولاراً) قبل أن يُباع من جديد للمواطنين بسعر يتراوح ما بين 2000 و2500 شيكل (513 - 642 دولاراً)، أي أكثر من ثلاثة أضعاف السعر الحقيقي.
ويوضح مقداد أن الأسعار تنخفض وترتفع بحسب عمليات توزيع الإسمنت، لافتاً بسخرية إلى أن ذلك طبيعي إذ "ما من حكومة وما من آليات رقابة وما من ملاحقة للتجار".


