القدس المحتلة/سما/قال اوري سافير رئيس الوفد الاسرائيلي في مفاوضات اوسلو، أن "نتنياهو يرجع ساعة المسيرة السلمية للخلف الى فترة ما قبل أوسلو، وعملية السلام في الشرق الأوسط لن تعود الى ما كانت عليه"، هذا ما قالته مصادر دبلوماسية رفيعة في باريس لـ "المونيتور"، وحسب قولهم فإن المفاوضات الثنائية غير واردة حالياً، وان الخطوات الأحادية لا تؤدي لأي نتيجة، وبناءً على ذلك فلا مناص من العودة الى عملية متعددة الأطراف.
شعرت العواصم الأوروبية بخيبة الأمل الشديدة من لقاء أوباما – نتنياهو في الأول من أكتوبر، حيث تلقى رئيس الحكومة الاسرائيلية صفعة مدوية من البيت الأبيض الذي أدان رسمياً البناء في المستوطنات بالقدس الشرقية، غير ان أي بشارة لم تصدر من هناك بشأن تحريك العملية السلمية، الأوروبيون، وخصوصاً فرنسا وبريطانيا، يخشون من أن التركيز على مقاتلة داعش من شأنه ان يؤدي الى حدوث بيات شتوي للعملية السلمية في الشرق الأوسط.
في إطار الحوار ما وراء الأطلسي؛ فإن مسؤولين كبار في الحكومة اعترفوا أمام قرنائهم الأوروبيين ان الرئيس الأمريكي أوباما تنازل عملياً عن فرصة عملية السلام المتواصلة ما دام نتنياهو في السلطة السياسة الإسرائيلية، "الاستيطان أولاً" تحقق الى الآن أهدافها، وإلى ذلك فإن مصادر في أوروبا تقر بأن مستقبل الشرق الأوسط برمته مطروح على كفة الميزان، لذلك فإن المطلوب تغيير حقيقي للعملية السلمية، وفي واشنطن أيضاً محللو السياسة من الطاقم المتخصص بالشرق الأوسط يبحثون عن سبل خلاقة لبث حياة جديدة في المفاوضات.
من دون جهود خلاقة من هذا النوع فإن لدى الأوروبيين والامريكيين قائمة من السيناريوهات المخيفة المحتملة؛ بدءاً بالانتفاضة العنيفة عبر موجة من الارهاب ضد إسرائيل، وحتى حرب مكشوفة بينها وبين قوات السلطة الفلسطينية، وكذلك يعلم هؤلاء جيداً أن إبقاء الجرح الفلسطيني النازف مفتوحاً سيمس عميقاً بمحاولات جلب الاستقرار الى المنطقة قاطبة.
التفكير بهذه المخاطر من ناحية، والعجز عن اقناع الأطراف بالعودة الى طاولة المفاوضات من الناحية الأخرى جعلت الأصوات تتعالى في أروقة السلطات الأوروبية التي تؤيد خطاب حل الصراع بين اسرائيل والفلسطينيين "الشرق الأوسط أهم من ان نتركه في أيدي الشرق أوسطيين" قال لي مسئول رفيع في بروكسل، وكان قد أبلغ نفس الرسالة الى واشنطن، وحسب قوله فإن الأمريكيين على الأقل يصغون.
خطاب عباس (26 أكتوبر) وخطاب نتنياهو (29 سبتمبر) أمام الهيئة العامة للأمم المتحدة كانا وفق كل التقديرات الطلاق الرسمي للزوجين غريبي الأطوار، اللقاء المرتقب بين الزعيمين سيكون على ما يبدو في مؤتمر دولي يفاوضهما بهدف ايجاد سبل الدفع نحو حل الدولتين للشعبين، في "كي دورسي" وزارة الخارجية الفرنسية ظهرت امكانية ان تقوم الدول الكبرى 5+1 (الدول الخمسة دائمة العضوية في مجلس الأمن، ومعها ألمانيا، الذين يجرون حالياً مفاوضات مع إيران بشان ملفها النووي) باستخدام ضرب مما يمكن وصفه بـ "محكمة سلام" تتخصص في القضية الفلسطينية.
في الحقيقة لا يبدو ان هناك طرقاً أخرى، فعجز نتنياهو وعباس عن الاتفاق، ولو حتى على جدول للمحادثات المستقبلية، ومواصلة التوسع الاستيطاني واشتداد صلب المتطرفين في الدولتين (حماس والوزير بينيت) يحولون دون إمكانية تحقق أي نموذج للمفاوضات المباشرة.
من ناحية أخرى؛ فإن هناك توافق دولي شامل يفضي على الأقل الى اعادة الصراع الى القنوات التفاوضية، يقولون في وزارة الخارجية الامريكية ان ترك الطرفين لفعل ما يريدان "سينتهي بسفك الدماء"، وزير الخارجية جون كيري أبلغ عباس ان لا يتوقع حدوث شيء قبل السادس من نوفمبر وحذره من أي توجه أحادي في الأمم المتحدة، غير ان أبا مازن اليائس من نتنياهو ومن أوباما مصر على رأيه بمواصلة السباق في مجلس الأمن والهيئة العامة والوكالات الدولية، ويأمل من جراء ذلك ان يخلق ضغطاً دولياً على واشنطن، وخصوصاً من قبل الدول الحليفة معها ضد داعش ومفاوضات النووي الإيراني، صناع قرار فلسطينيين مقربين من عباس أقروا أمام "المونيتور" ان دولة فلسطين لن تولد عبر دبلوماسية أحادية، وان هدفهم الحقيقي هو تحريك دبلوماسية متعددة الأطراف في قلب اهتمامها المعضلة الفلسطينية.
وعند سؤالهم عن امكانية ان تقوم دول الـ "5+1" بالتفاوض مع إسرائيل؛ فقد قال المسؤولون الفلسطينيون انهم يباركون ذلك شريطة ان تستخدم المبادرة العربية للسلام كأساس لهذه المحادثات، وان تدعى مصر والأردن أيضاً الى المشاركة، نتنياهو وبطانته يعرفون عن هذه المخططات، غير انهم يعتمدون على الأمريكيين في افشالها.
على الجميع الآن ان يستحضر الأسئلة التالية: وماذا ستفعلون بعد؟ هل يمكن ان نسمح لأنفسنا أن نجلس عاجزين عن فعل شيء وانتظار ان يقع ما يوقظنا بعنف حاد مثل أحداث ملؤها العنف والاحباط؟ هل من الممكن ان نجلس هكذا ببساطة ونرقب عن جنب في حين ان دولتين محترمتين تقومان بانتحار قومي عبر قصر النظر السياسي؟ وفي الوقت الذي تسمحان كلاهما للقوى المتطرفة للقيام بالاختطافات؟ هل علينا ان نسمح للدولة الديمقراطية الوحيدة في العالم بأن تحتل الآخرين والاستمرار بفعل ذلك؟ وهل من الممكن ان نعطي الشرعية لسلب وجود الدولة اليهودية الوحيدة؟ وإذا كان الجواب على كل هذه الاسئلة غير واضح فليس أمامنا غير ايجاد بديل واقعي.
قد يأتي هذا البديل من الداخل؛ انتخابات جديدة في إسرائيل، ربما في العام 2015، يعقبها إقامة حكومة وحدة أكثر اعتدالاً، وعلى مستوى فلسطين نأمل ان يقوم عباس بالتشاور مع القوى الأكثر اعتدالاً في فتح، مخضرمي عملية أوسلو، وليس مع الشعبويين المتطرفين، ما عدا ذلك فإن الحل من شأنه ان يكون خارجياً، وربما اقترب اليوم الذي سيدعو فيه كيري ونظرائه في روسيا وبريطانيا وفرنسا والصين والمانيا أن يدعو هؤلاء وزراء خارجية إسرائيل وفلسطين الى طاولة المفاوضات في جنيف، ويفرضوا عليهم ما لا يمكن رفضه.
ترجمة اطلس عن المونيتور العبري


