ليست هذه الأيام هي أفضل ما نعيشه، وسط تناقضات رهيبة وتغيرات متسارعة تلقي بظلالها على الوضعين العربي والدولي، مع توسع بؤر النزاع ودخول أطراف كثيرة على خطه، في ظل بيئة عربية غير مستقرة ومشغولة في تصويب أوضاعها الداخلية.
وسط كل ذلك، لا يجد الفلسطينيون طريقةً لقراءة الظروف الراهنة، والأزمات التي تتفاقم من حولهم، خصوصاً وأن العالم المنشغل بنزاعات كثيرة إقليمية ودولية، يزيد انشغاله هذه الأيام مع قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما، تسيير حشد دولي لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في العراق والشام.
الفلسطينيون خرجوا توَّهم من عدوان إسرائيلي شنيع، حرق الأخضر واليابس وأعاد قطاع غزة سنين كثيرة إلى الوراء، في الوقت الذي صار موضوع الهجرة من خارج غزة حلماً يراود الشباب، ولعله أيضاً يراود كبار السن الذين يبحثون عن السكينة والأمان.
غزة تحولت تماماً إلى سجن بفعل الحصار المفروض عليها منذ ما يزيد على السبعة أعوام، وهي تعاني اليوم من نكبات عميقة وسط تخوفات من أن يمثل العدوان الصهيوني خسارة صافية على الفلسطينيين في زمن الحرب وفي زمن المفاوضات أيضاً.
إلى هذه اللحظة، لم يحصل الشيء المهم الذي يخفف آثار العدوان الصهيوني على غزة، باستثناء دخول بعض المساعدات إلى القطاع وتسكين ألم الناس هناك، وحكومة التوافق مكانك قف، تشتكي أنها غير قادرة على القيام بواجباتها في ظل إدارة حماس لغزة، في حين تصدر تصريحات عن مسؤولين من الحركة الحمساوية يطالبون فيها حكومة التوافق تحمل مسؤولية غزة بدون ذرائع.
المشهد الفلسطيني مقلق إلى درجة كبيرة، على الصعيدين الداخلي والآخر المتعلق بطبيعة الصراع مع الاحتلال، إذ أن الكل الفلسطيني منشغل في لملمة جراحه والتفكير فيما سيحصل عليه من عوائد سياسية بفعل المفاوضات المرتقبة في مصر، بينما تواظب إسرائيل على ممارسة جرائمها العنصرية التي تطال الفلسطينيين في الضفة وغزة، مرةً بتسمين مستوطناتها، ومرةً أخرى بممارسة سياسة الاعتقال والتضييق على الفلسطينيين في أحوالهم المعيشية عبر توغلات خاطفة.
على صعيد الاحتلال، يبدو أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لن يتعامل بجدية مع الفلسطينيين سواء بمفاوضات أو بدونها، وعلى الأرجح أنه سيتخذ خطوات أحادية الجانب لتخفيف الحصار عن قطاع غزة، لكن دون رفعه تماماً إلا بالشروط الإسرائيلية المتعلقة تحديداً بنزع سلاح المقاومة الفلسطينية.
نتنياهو الذي افتعل موضوع يهودية الدولة وربط موافقته على الدولة الفلسطينية باعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة، هذا النتنياهو تنصل من رفع الحصار عن غزة، عبر اختلاق قصة تحميل مسؤولية ما يجري في القطاع إلى السلطة الفلسطينية.
بمعنى أن نتنياهو يربط موضوع رفع الحصار عن غزة باستلام السلطة الفلسطينية إدارة القطاع، لكن المشكلة ليست في موضوع عودة السلطة إلى غزة بقدر ما أن نتنياهو كاذب في موضوع رفع الحصار، لأنه ربما سيفعل ذلك بعد تأكده من أن المقاومة الفلسطينية تخلت عن أظافرها وأسنانها.
كل ما يتمناه نتنياهو هو عودة الخلاف الفلسطيني الداخلي الذي يشكل مكسباً كبيراً وعاملاً مسرعاً للمخططات الصهيونية ضد الفلسطينيين، وإلى هذه اللحظة لم يحن الموعد الفعلي لعقد المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي لأسباب قيل إن لها علاقة بالخلافات الفلسطينية الداخلية.
الرئيس محمود عباس انتقد قبل عدة أيام، سياسة حركة حماس في قطاع غزة، بسبب ما اعتبره تعطيل الحركة لعمل حكومة الوفاق الوطني، مهدداً بفض الشراكة مع حماس إذا بقيت الأمور على ما هي عليه، فيما قالت الأخيرة إن تصريحات عباس غير مبررة.
الاتهامات المتبادلة بين الطرفين فتح وحماس عادت إلى الظهور، هذا على صعيد الخلاف حول حكومة التوافق الوطني، وهناك خلافات كثيرة وجد معقدة، من بينها موضوع المعابر وتحديداً معبر رفح البري، إلى جانب موضوع إعمار قطاع غزة وأزمة رواتب موظفي القطاع.
إلى هذه اللحظة، لم يحصل أي اختراق جديد في موضوع المصالحة الفلسطينية، باستثناء تشكيل حكومة الوفاق التي لا حول لها ولا قوة، والتي تألفت في الثاني من حزيران الماضي، فيما بقي دورها محصوراً في الضفة الغربية لعدم قدرتها على التواجد وممارسة مهامها في قطاع غزة في ظل العدوان الصهيوني.
المواطن الفلسطيني الذي يتضرر يومياً من الاحتلال الصهيوني، وتضرر بفعل الانقسام الفلسطيني الداخلي، لا يستأهل أن يتبهدل بهذه الطريقة وتزول آماله وطموحاته بسبب لعنة الانقسام التي تلاحقه في كل مكان، وحيث كان يعتقد أن لم الشمل الفلسطيني حان موعده.
إن حالة الكرب التي يعيشها الفلسطينيون في هذه الأيام، تتطلب التحلي بأقصى درجات المسؤولية الوطنية والأخلاقية تجاه الوطن والمواطن، الأمر الذي يعني أن الفصائل الفلسطينية مدعوة لوضع خلافاتها على جنب، والمضي بمشروع وطني يضع الوطن والمواطن في سلم الأولويات وفوق كل اعتبار.
صعب جداً أن يخرج المواطن من عدوان صهيوني شرس إلى بداية خلاف فلسطيني داخلي من المرجح أنه إذا حصل، سيقفل الباب أمام أي إنجازات حققها الصمود الفلسطيني مؤخراً في عدوان "الجرف الصامد"، فلا ينبغي أن يدفع الناس ثمن العدوان وأيضاً ثمن الخلاف والانقسام الفلسطيني.
أمام الفلسطينيين معركة حامية الوطيس مع الاحتلال، ومن المهم أن يتحضروا لها جيداً، لا أن تبرز خلافاتهم إلى العلن ويجري استغلالها إسرائيلياً، فنحن أمام مفاوضات لعلها ستجرى قريباً، وأن نذهب إليها متفقين جميعاً خير من أن نلعن الظلام ألف مرة.
الاحتلال الصهيوني والخلاف الفلسطيني الداخلي يقوضان ويقضيان على مستقبل القضية الفلسطينية، وإذا كان الاحتلال قدرا حتميا يصعب الفكاك منه في المرحلة الراهنة، فإن الانقسام الفلسطيني لعنة ومصيبة مصطنعة وتحتاج إلى محاربتها واجتثاثها سريعاً.
امتحان غزة الآن إما أن يبرهن عقلانية الفصائل المتصارعة وانتصارها على نزعات الانفصال والعودة عن مربع الانقسام، والاتفاق على شراكة وطنية موحدة تستجيب لمتطلبات اللحظة وتغادر منطق الاحتكار القائم على إلغاء باقي الأطراف الأخرى، أو أن هذا الامتحان سيقودنا إلى الهاوية التي ستضرب بعمق في جذور الشعب الفلسطيني.
الاحتلال كافر والجوع كافر والانقسام كافر أيضاً، وجميعها تؤدي إلى التطرف، ومن غير المعقول أن يكون موضوع المصالحة الفلسطينية مجرد إدارة للنزاع بدون حله، حينها سنكون شركاء مع الاحتلال في تشريد الشعب الفلسطيني وطمس مشروعه الوطني التحرري العادل.
Hokal79@hotmail.com


