لا يمكن تفسير ظاهرة "داعش" خارج نطاق ما تعانيه المجتمعات العربية من أزمات وتوترات وتناقضات عجزت عن حلها الدولة العربية "الحديثة" وفشلت فشلاً ذريعاً ومدوياً في مجالات التنمية والتحرر والاستقلال الحقيقي.
ظاهرة "داعش" وكذلك "القاعدة" والنصرة وغيرها من تنظيمات العنف والإرهاب التي تنتمي لجناح الإسلام السياسي هي كلها ظواهر نمت وترعرعت وتعززت في بيئة وحاضنة مواتية، نتجت عن هزائم الدول العربية التي تاجرت بمستقبل مجتمعاتها حفاظاً على أنظمتها السياسية، ورهنت حياة هذه المجتمعات لجماعات السيطرة والتحكم الاقتصادي وأجهزة القمع والاستبداد السياسي ومنظومات الإفقار الاجتماعي والتصحر الثقافي الذي كان "ضرورياً" وحيوياً لكي تكتمل دائرة الإطباق والإحكام على حرية المجتمع وكرامة المواطن وحقوقه وتطلعاته.
ظاهرة "داعش" ليست ظاهرة دينية خالصة كما يعتقد البعض، وانما هي ظاهرة تطرف فكري ناتج عن وصول التوترات داخل المجتمعات العربية الى أقصى الحدود بعد أن هُزمت الهوية الوطنية أمام الهويات الفرعية الطائفية والعرقية والمذهبية.
لا يمكن ان تقوم هوية طائفية او عرقية على انقاض هوية وطنية الا اذا توفرت عوامل التفكك في مؤسسات الدولة (أي دولة) وعوامل الخنق الفكري القائم على الجهل والتجهيل وأعطيت هذه المجموعات فرصا كاملة من التمكن والتمكين الذي هو المدخل المناسب والمباشر للدعم الخارجي لهذه الظواهر.
باختصار، "داعش" هو ابن شرعي لحالة التخلف والجهل والتجهيل الذي ساد هذه المنطقة على مدى سنوات طويلة من الإسناد الرسمي في الخطاب الديني الرسمي وشبه الرسمي للمؤسسات الدينية، ومن الدعم المالي الرسمي وشبه الرسمي ومن الدعم الإعلامي الممنهج والهادف والمخطط له بعناية.
ظاهرة "داعش" كما هي الظواهر الأُخرى المشابهة تمثل حالة من الفكر "العميل" كما يصفه الدكتور سمير عوض لأن هذا الفكر في مراميه وأهدافه وممارساته وفي كل منظوماته السياسية والإعلامية والسلوكية، وهي منظومات تندرج في إطار تدمير البنى القائمة التي تأسست عليها المجتمعات العربية على مدى مئات وربما آلاف السنين، كما انها تندرج في إطار الوكالات الحصرية والمقاولات السياسية لخلق كيانات سياسية مذهبية وطائفية وعرقية وإثنية فوق وطنية تخدم في المقام الأول الاستراتيجية الأميركية لإعادة ترتيب الإقليم على أُسس جديدة غير تلك الأُسس التي قامت عليها اتفاقيات سايكس - بيكو، كما تخدم في نفس المقام وعلى نفس المستوى بقاء إسرائيل كحالة "طبيعية" فيها درجة "معقولة" في الانسجام ما بين الشعب والدين او الشعب والقومية او غير ذلك، كما انها منظومات خارج او معاكسة لبوصلة القدس.
بمعنى آخر الإسلام السياسي المتطرف هو المعول الذي من خلاله، ويوكل له تحديداً، إيجاد المبرر التاريخي الجديد لبقاء إسرائيل طبيعية ومتعايشة ومنسجمة مع المحيط باعتبار ان هذا المحيط سينتقل شيئاً فشيئاً من دول وكيانات وطنية وقومية الى كيانات ودول فوق وطنية او تحت وطنية (لا فرق).
هذا هو الذي يفسر التلكؤ الغربي في رؤية أخطار "داعش" وغير "داعش"، وهذا هو الذي يفسر هذا "الغزل" الناعم ما بين هذه التنظيمات وما بين الغرب وما بينها وما بين إسرائيل اذا شِئْتُمْ.
ليس صدفةً اذن ان يسكت الغرب عن تمدد هذه التنظيمات على آلاف الكيلومترات المربعة في كل من سورية والعراق، وليس صدفة ان لا يتحرك الغرب ولا يقدم على خطوة واحدة الا بعد ان تحول المشهد الإعلامي الى مشهد ضاغط، وبعدما "تحرشت" داعش بالولايات المتحدة بقتل الصحافي الأميركي، وبعدما أصبح خطر داعش يهدد الأقليات بالتصفية التامة وبعدها - وهذا ربما يكون الأهم - أصبحت قوات "داعش" تهدد الكيان الكردي في العراق.
ليس مهماً اذا كانت الولايات المتحدة تقف وراء هذه التنظيمات ام لا، وليس مهماً اذا كانت هذه التنظيمات قد حظيت في مراحل معينة بالدعم "المطلوب" في بعض البلدان الخليجية وذلك في إطار محاربة "سطوة" الطائفة الشيعية في العراق، او العلوية في سورية، وليس مهماً اذا كانت هذه التنظيمات قد تلقت دعماً مباشراً من بعض الفصائل الأُخرى للإسلام السياسي، لان المهم هو ان هذه التنظيمات قد تم السكوت عنها وقتاً كافياً لكي تتمدد وتنتشر وتتمكن من تمثيل التهديد الذي أُريد لها ان تمثله.
ان الحديث عن استراتيجية دولية او عربية لمواجهة "داعش" هو حديث إعلامي وإجرائي لا يمكنه ان يكون فعالاً طالما اننا لم ندرك ولا ندرك خطرها على وجودنا الوطني وعلى مستقبل مجتمعاتنا وعلى وحدة الأوطان العربية كلها، وطالما أننا لم نعترف بعد بمسؤوليتنا جميعاً دولا ومجتمعات ومنظمات ومؤسسات عن حالة الجهل والتجهيل التي أصبحت تتمكن من تلابيب حياتنا الثقافية والفكرية وعلاقاتنا السياسية والاجتماعية.
الصراع على الهوية هو لب الصراع مع الغرب ومع هذه المجموعات، وفصائل الإسلام السياسي الأُخرى مثل حماس وحزب الله والجهاد الإسلامي وبعض مجموعات السلفية (غير الجهادية) ستساق الى نفس المربع وستلعب نفس الدور وسيتم توطينها واستخدامها من قبل الغرب اذا لم تسارع هذه الفصائل الى توطين فكرها وإدماج نفسها في برنامج التحرر الوطني، وبرنامج تجاوز الاستبداد والانتقال الى العلاقات الديمقراطية في المنظومات الوطنية.
وقد بات من المستحيل على هذه الفصائل الأخيرة ان تبقى فصائل فاعلة في الإطار الوطني بدون القطع التام مع الفكر الإقصائي والاستعلائي والتدميري الذي تمثله "داعش" و"القاعدة" ومن لف لفهما، وبدون ان تنهي مرة والى الأبد البحث في الفصل الديني عن مسوغات تبرر الإقصاء واستخدام العنف المباشر للتحكم بالمجتمع.
وكل الأحاديث عن حكومات ومنظومات "ربانية" وعن قداسة الممارسة السياسية هو إمعان في تجهيل المجتمع وتطويع المجتمعات للسيطرة عليها، وهي الوصفة الأكيدة للانتقال الى مواقع "داعش" و"القاعدة" بوعي او بغير وعي وبأسرع ما يتصوره هؤلاء.
يبدو ان العالم العربي بات بحاجة الى إصلاح ديني اكثر من حاجته للماء والغذاء، ويبدو ان هذا العالم في طريقه الى الاختيار ما بين هذا الإصلاح او التدمير الذاتي الشامل.


