استطلاعات الرأي الإسرائيلية، لحظت تراجع دعم وتأييد الجمهور الإسرائيلي لرئيس الحكومة نتنياهو، بشكل متدحرج، من حوالي ٧٨ في المئة الى ٥٥ في المئة ثم ٣٨ بالمئة، غضبة المستويات السياسية والأمنية على نتنياهو، طوال فترة الحرب الإسرائيلية الثالثة على قطاع غزة، ربما هي التي غذت هذا التراجع في شعبية نتنياهو، الحديث المبكر عن لجان تحقيق حول أداء نتنياهو وأطقمه السياسية والأمنية عزز من الحديث المتواصل من ان مستقبل نتنياهو السياسي بات معروفاً، اذ يتوجب عليه مغادرة المسرح، ليس فقط من قيادة حزب الليكود، ولا من رئاسة الحكومة، ولكن من العمل في السلك السياسي بشكل نهائي، المتطلعون الكثر لهذا المنصب، سواء لمنصب رئاسة الليكود، او رئاسة الحكومة، لكل منهم أطماعه التي تفسر ما يشبه الإجماع على ان نتنياهو فشل وعليه الرحيل، مرة والى الأبد.
الا أن الاستطلاع الذي نظمته وحدة الاستطلاعات في قناة الكنيست، اظهر أن أحاديث الحرب هي غيرها بعد ان تصمت المدافع والصواريخ، وأفكار التوتر تحت التهديد والخوف، هي غيرها عندما يسمح للعقل بالتفكير في أجواء اقل توتراً، اذ أفادت نتائج هذا الاستطلاع أن نتنياهو ما زال سيد وقبطان المركب الإسرائيلي، وإذا كان هذا المركب قد بات على شفير الغرق، فإنه ليس هناك من منقذ كفؤ وقادر ومؤهل سوى هذا القبطان الذي اوقع المركب في خضم الأمواج العاتية، لم يظهر حتى الآن في طاقم المركب من هو اشد براعه من القبطان، فالآخرون ليسو اقل منه فشلاً، وفشل القبطان يعود في الغالب الى فشل الباحثين عن إزاحة القبطان لأخذ مكانه على الدفة.
من الصحيح ان استطلاعات الرأي لا تعبر بالضرورة عن حقيقة الامر في اللحظة المناسبة، لكن من الصحيح أيضا ان هذه الاستطلاعات تعطي مؤشرات قريبة نسبياً من الواقع في لحظة ما تشير معطيات هذا الاستطلاع إلى ان نتنياهو صاحب اكثر نسبة من الشعبية في حال ترشح الى رئاسة الحكومة القادمة، بواقع ٣٠ في المئة، وهي قريبة من نسبة التأييد الشعبي له في الأسبوع الأخير من الحرب على غزة، غير ان من هم ضد نتنياهو - ٧٠ في المئة، ليسوا بالضرورة مع خصومه من الساسة، خاصة ليبرمان الذي حاز على ٨ بالمئة فقط، بينما حاز المنافس الآخر، بينيت على ١٣ بالمئة فقط، ونسبة شبيهة تتعلق بالمقاعد التي ستفوز بها الأحزاب المختلفة، التي تراجعت بشكل عام عن حصتها في الكنيست الحالية، مع حصول الليكود على ٢٨ مقعداً في الكنيست القادمة.
ورغم حصول نفتالي بينيت على النسبة التالية لنتنياهو في رئاسة الحكومة، الا ان حزبه "البيت اليهودي" حل ثانيا بالنسبة لمقاعد الكنيست، كبديل عن حزب "هناك مستقبل" لصاحبه يائير لبيد وزير المالية، الذي كان ثانياً في الكنيست الحالية، بالحصول على عشرة مقاعد بديلا عن ١٩ مقعداً في الكنيست الحالية، ما يشكل ضربة حقيقية لتطلعات لبيد الذي خاض الانتخابات للمرة الأولى في الكنيست الحالية وشكل مع حزبه انقلاباً سياسيا وانتخابيا واضحا، غير ان هذا الاستطلاع يعتبر بنتائجه تأكيداً على مقولة ان الأحزاب الإسرائيلية تظهر فجأة وتختفي فجأة كذلك!!
غير ان الانقلاب الحقيقي يتمثل وفقاً للاستطلاع المشار اليه، في واقع حال حزب البيت اليهودي ورئيسه نفتالي بينيت، فالحزب حاز على تقدم واضح وكبير في انتخابات الكنيست القادمة، ثانيا في عدد المقاعد بعد الليكود، اما رئيسه فهو ثان بعد نتنياهو في رئاسة الحكومة، وهو امر مقنع بالنسبة لحسابات الاستطلاع، الا ان اللافت بهذا الصدد، ان بينيت جاء بنسبة واسعة بينه وبين نتنياهو في رئاسة الحكومة، ما يشير الى ان المصوتين للحزب ليسوا بالضرورة مؤيدين لرئيسه بينيت.
ويبدو ان رئيس حزب البيت اليهودي، استلهم نتائج هذا الاستطلاع، وبدأ يتطلع الى انقلاب في حزبه، فاليوم الأربعاء سيطرح تعديلاً في النظام الداخلي للحزب ودستوره، بما يفتح المجال أمام صلاحيات واسعة لرئيسه، وعرض الحزب باعتباره ممثلاً لليمين السياسي الإسرائيلي، ولأول مرة يتحدث عن احتمالات تشكيل الحكومة، الا ان الأهم على صعيد عقائدي، ان الحزب لن يعتبر نفسه ممثلاً للهوية "القومية الدينية" وذلك للاحتيال على التيارات اليمينية غير المتدينة، كمؤيدي حزب ليبرمان مثلا، لكي يصوتوا لصالح حزب البيت اليهودي، حيث سيسمح للمرة الأولى لغير المتدينين في الحزب من الترشح للتنافس على مقعد في الكنيست، الا ان هذا الموقف، أشاع المزيد من السخط في أوساط شباب الحزب، عندما اعتبروا هذا التحايل انما يهدد "الصهيونية المتدينة لأجيال قادمة" ولعل ما يطرح هذا اليوم في مؤتمر الحزب، فإن بينيت بات يعد العدة لرئاسة الحكومة القادمة، ليس خليفة لنتنياهو، بل خليفة لليبرمان، الذي كان مرشحاً وحيدا لاستبدال مكان نتنياهو في الانتخابات القادمة!!
hanihabib272@hotmail.com


