خبر : حرب "داعش" وتوظيفاتها ...بقلم: مهند عبد الحميد

الثلاثاء 09 سبتمبر 2014 08:21 ص / بتوقيت القدس +2GMT



احتل تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام "داعش" مركز الصدارة، فجاء في البند الاول على أجندة الناتو وخطابات الرئيس الاميركي باراك أوباما، وكان على رأس أجندة اجتماع وزراء الخارجية العرب الاخير، فضلا عن احتلاله مكان الصدارة في وسائل الاعلام العالمية والعربية.
تنظيم داعش تحول الى خطر اول، وعدو أول لجميع دول وكيانات المنطقة، عدو قرعت في مواجهته طبول الحرب، وما استتبعها من حشد القوى والاموال لخوض هذه المعركة الفاصلة.
اصبح المشهد سرياليا ونحن نرى جبهة تضم حلف الناتو و"ايران" والعراق وسورية والجامعة العربية وسلاح الجو الاميركي وحزب الله ضد "داعش"، بعضهم كان قد بدأ الحرب واستبسل في خوضها ولفت الانتباه الى مخاطرها (نظام الأسد ونظام المالكي وحزب الله) والبعض الآخر كأميركا و"الناتو" والجامعة العربية التحقوا بالحرب متأخرين ويصدق عليهم الحكمة التي تقول: "أن تصل متأخرا أفضل من عدم الوصول".
يذكرنا ما يحدث هذه الأيام من الاعلان عن بناء حلف ضد "داعش" بإعلان بوش الابن الحرب المقدسة ضد "القاعدة" قبل 13 عاما،
مع فارق يؤكد أن التاريخ لا يعيد نفسه، فإذا كان إعلان بوش الحرب ضد الارهاب في المرة الاولى مأساة، فإن إعلان أوباما في المرة الثانية مهزلة.
من صنع داعش، كل طرف اقليمي ودولي يتهم خصومه باختراع التنظيم الشيطاني الخارق المسمى داعش.
مثلا نشر موقع (ذي انتر سيبت) تسريبات نقلا عن "سنودن" عميل المخابرات الاميركية الهارب، تؤكد تعاون أجهزة مخابرات ثلاث دول هي: الولايات المتحدة وبريطانيا واسرائيل لخلق تنظيم ارهابي قادر على استقطاب المتطرفين من جميع انحاء العالم ووضعهم في مكان واحد.
نظام الاسد ونظام المالكي وحلفاؤهم يقولون: إن السعودية أفرجت عن تنظيم القاعدة ودفعتهم نحو العراق وسورية وامدتهم بالاموال والاسلحة، يساندها في ذلك ومن موقع منافس قطر وتركيا اللتان تسهلان دخول الارهابيين الاجانب عبر اراضي تركيا وشراء البترول وقطع المصانع المنهوبة من داعش عبر السوق السوداء وتبيعان أو تزودان التنظيم بالاسلحة.
رواية مضادة تتبناها المعارضة السورية ومعها الحلفاء تقول: إن نظامي المالكي والاسد افرجا عن قيادات وعناصر القاعدة وتنظيمات اسلامية متطرفة من السجون ودفعاها لتكون في صدارة المعارضة من اجل تشويه الاخيرة واتهامها بالارهاب والتكفير وافقادها صدقيتها.
وتضيف الرواية ان نظام الاسد لم يوجه آلة حربه لتنظيمي داعش والنصرة إلا في الاسابيع الاخيرة، وبعد ان اعلنت الحرب الدولية على الارهاب.
إن كل المتهمين بصناعة داعش ودعمها بشكل مباشر وغير مباشر، وكل الذين مكنوا هذا التنظيم من النمو والصعود وحتى الذين اعتبروا هذا التنظيم أداة للتدخل الخارجي والمؤامرة، كل هؤلاء يحتشدون اليوم في جبهة واحدة ضد داعش.
السؤال كيف حدث هذا التحول الدراماتيكي ولماذا؟ الخطاب الاميركي والغربي يبرر التدخل بالجرائم التي ارتكبها التنظيم وبخاصة قطع رأس أميركيين، وطرد الاقليات، وبهذا المعنى فإن التدخل يأتي لحماية شعوب المنطقة من وحشية ودموية تنظيم داعش.
غير ان جرائم داعش وسلوكها البربري لم يكن وليد اللحظة، فمنذ انطلاقها وهي تروع المواطنين السوريين والعراقيين وترتكب بحقهم الجرائم وتفرض عليهم سياساتها التعسفية، لماذا لم يحدث التدخل منذ البداية، لماذا لم توجه الأنظار لهذا الخطر على الاقل؟ لماذا صمت المحتشدون اليوم ضد داعش على موت 200 الف سوري وتشريد 3 ملايين؟ هل افلتت داعش من سياسة التوظيف والاستخدام وانتقلت الى استخدام مخترعيها وتوظيفهم في خدمة دولتها السوداء؟.
اسئلة برسم كل الذين استخدموا هذا التنظيم الشيطاني في مشاريعهم الطائفية والمافيوية ومشاريع الهيمنة الاستعمارية الجديدة.
كانت نقطة التقاء هؤلاء المحتشدين الآن في جبهة واحدة ضد داعش، هي استخدام هذا التنظيم لقطع الطريق على انتصار الثورة الشعبية الديمقراطية السلمية السورية.
لقد التقوا جميعا عند هذا الهدف غير المقدس، ومن اجله دعموا داعش وسهلوا عليها الانتشار والاستقطاب والسيطرة والتنكيل بالمواطنين وبالمناضلين.
ومع نجاحهم في إقصاء الشعب وفي تشويه مطالبه وهزيمة ثورته واهدافه المشروعة، وفي استبقاء النظام المستبد ومحاولة إعادة انتاجه، مع هذه الانجازات انتهت وظيفة داعش ومهماتها بالنسبة لداعميها، بمثل ما انتهت مهمة تنظيم القاعدة بعد هزيمة السوفييت في افغانستان في اواسط الثمانينيات.
ولأن داعش التي كبرت بفعل الدعم السخي، حاولت أن توظف هزيمة الثورة الشعبية لمصلحة دولتها، ولأنها اخترقت مواقع المصالح الحيوية الاميركية والغربية - في حقول ومصافي النفط -. لهذه الاسباب اتفق الحلفاء الطبيعيون والطارئون على محاربتها وسيهزمونها شر هزيمة.
صحيح ان هذا التنظيم هو نتاج موضوعي لسياسة الانظمة المستبدة الدموية، ولايديولوجيا التعصب الديني، ولسياسة الغطرسة الاستعمارية، تلك السياسات التي تنتج ظاهرة القاعدة واخواتها الوجه الآخر لها، ولأنها كذلك فإنها تستخدم مباشرة او توظف موضوعيا للحفاظ على الاستبداد وعلاقات التبعية.
وهي خطر يمكن استيعابه والتغلب عليه خلافا للخطر الذي يمثله الحراك الديمقراطي الشعبي المنظم وغير المنظم.
هذا النوع من التدخل الشعبي لا يروق للانظمة وقوى الهيمنة وهو مرفوض قطعا من تنظيم داعش والقاعدة ومن لف لفهما من التنظيمات الجهادية والسلفية.
إن تعظيم خطر داعش الآن وتقديمه كخطر مشترك يهدد شعوب المنطقة له وظيفة أخرى هي صرف النظر عن خطر الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية ومواصلة التطهير العرقي وحربه المتنوعة والمركزة في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة.
إن غض النظر عن الخطر الذي تمثله السياسات الاسرائيلية كمصادرة الاراضي بالجملة وتوسيع الاستيطان بنسبة 1300% وارتكاب جرائم حرب مروعة في قطاع غزة، واستبدال هذا الخطر بخطر داعش المبالغ به بشدة، وحشد كل دول المنطقة في مواجهته، وإعلان الحرب عليه.
هذه السياسة التي تستغفل مصالح شعوب المنطقة ولا تحترم عقول البشر فيها، تستدعي الاعتراض بالصوت العالي، المقترن باتباع سياسة تنطلق من مصالح الشعوب وحاجاتها وأولوياتها.
Mohanned_t@yahoo.com