خبر : شـُـلـّت يميني إن نسيت ـ حرب غزة بالأرقام ...عبد الحميد صيام

الجمعة 05 سبتمبر 2014 02:04 م / بتوقيت القدس +2GMT
شـُـلـّت يميني إن نسيت ـ حرب غزة بالأرقام ...عبد الحميد صيام



هدأ غبار حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على شعبنا الفلسطيني في قطاعغزة مؤقتا. يا قوم، نحن نعيش فترة استراحة المحارب. فأنا الغزاوي البسيط: صائد السمك وزارع الورد وتاجر العسل وطالب الجامعة والممرضة والمحامية والمربية والمعلمة والمؤذن والميكانيكي والمغني والكاتب والفنان، اجتمعنا لننصهر في بوتقة واحدة ليخرج من نسيجنا الواحد الرجل المقاوم الذي أوقف زحف الوحش الكاسر، الذي جاء ليفترسنا جميعا. إسمحوا لي الآن أن آخذ نفسا عميقا وأنظف فوهة بندقيتي وأتأكد أنها صالحة للاستعمال. ها أنا أتكئ على جرحي الأخضر بدون أن أقول آه. ألملم شظايا أطفالي الثلاثة أو الأربعة أو العشرة لأدفنهم قرب قبر أبي الشهيد، الذي دفن قرب جدي الشهيد، والذي دفن على مقربة من خاله الشهيد وعمته الشهيدة وجارته الشهيدة وابن عمه الشهيد. أقف منتصب القامة كالنخلة، أشاهد انسحاب الوحش إلى مرابضه جريحا مكسورا ذليلا يعوي كابن آوى جائع. كان يظن أن المقاومة بيضة ويفقسها بين أصابعه فيصفق له المتربصون بنهاية المقاومة، أو عصاة من القصب يسهل كسرها ليستعرض بعدها عضلاته أمام طابور حلفائه الجدد المدعوين إلى الفرجة على اقتلاع آخر مواقع المقاومة. اكتشف الوحش بعد 51 يوما أنني عيي على الكسر عسير على الهضم متحرر من عقدة الخوف، متمسك بالمبدأ ومستعد أن أخلع عيني الجيش الذي لا يقهر إلا بالمقاومة. الآن أحمل ورقتي وقلمي وأدور في الشوارع وبين المباني والمستشفيات والمدارس والمساجد والبيوت والأبراج المهدمة وقوارب الصيد ومزارع الفراولة التي داستها الدبابات لأوثق كل شيء. الآن أريد أن أسجل بالأرقام حصيلة ما قام به الوحش كي أحاسبه يوما على ما اقترفت يداه من جرائم عن سبق إصرار وترصد، وأرسلها لكم يا أبناء وبنات العروبة على جناح طائر لتحفظوها غيبا وتتمثلوها سلوكا وتختزنوها وعيا، لعلكم تسندوني في الجولة القادمة التي قد تكون «أم المعارك».
أود هنا أيها الرفاق أن أثبت بعض الحقائق المنتقاة من مصادر محايدة ودقيقة قدر الإمكان، حتى لا تضيع في الركام والملفات والمكاتب والأرشيفات كما ضاع من قبلها كثير من الحقائق والوثائق والجرائم. أنا واقف بالمرصاد لكل من يفرط أو يساوم أو يبيع أو يخون أو ينحرف أو يتراخى أو يتعثر أو يتململ أو يتعب أو يسأم لأقول له: شلت يمينك إن نسيت. قد تغفر يوما ولكن غير مسموح لك أن تنسى.

الخسائر البشرية

بلغ عدد الضحايا لغاية يوم الثلاثاء 26 آب/أغسطس 2100 حسب تقارير الأونروا و2014، حسب مكتب منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، وفي رواية وزارة الصحة الفلسطينية وصل العدد إلى 2143، من بينهم 1462 مدنيا أي (79٪) و491 طفلا (وفي رواية فلسطينية 579 أو 495 حسب رواية ثالثة) و263 امرأة ونحو 200 مسنّ. كما استشهد 253 من رجال المقاومة و369 لم يتم التحقق من هوياتهم بعد، وأعلنت سرايا القدس أنها فقدت 121 من مقاتليها، بينما رفعت إسرائيل عدد قتلى رجال المقاومة إلى 900 مقاتل. وبلغ عدد الجرحى 11128 والعدد ليس نهائيا من بينهم 3106 أطفال و1790 امرأة و368 مسنّا. من بين القتلى 11 موظفا من طواقم الأونروا و16 موظفا صحيا بين طبيب وممرض وسائق سيارة إسعاف و13 صحافيا.
وهذه الحرب قد تكون الأولى من نوعها في استهداف عائلات بأكملها، حيث ارتكبت إسرائيل نحو 90 مجزرة بحق 142 عائلة أبيد بعضها تماما، وبلغ معدل سقوط أفراد من العائلة نفسها ثلاثة أفراد أو أكثر في الانفجار نفسه، ليصل مجموع خسائر هذه العائلات 739 ضحية كلهم من المدنيين، كان آخرهم عائلة جودة في حي تل الزعتر بمخيم جباليا، حيث قتل خمسة أفراد دفعة واحدة قبل سريان وقف إطلاق النار بقليل.
كما تم إعدام 25 شخصا قيل إنهم عملاء لإسرائيل، بعد استيفاء الإجراءات والـــشروط القضائية كما جاء في بيان لحركة حماس. من الجانب الإسرائيلي قتل 66 عسكريا وأربعة مدنيين وطفل واحد وعامل تايلاندي.

التشرد واستهداف المؤسسات

بلغ عدد المشردين 475000 (نصف مليون حسب مكتب منسق الأمم المتحدة) أي ما يعادل 28٪ من سكان القطاع، منهم 283220 تأويهم 87 مدرسة تابعة للأونروا. ولجأ باقي المشردين إلى مدارس الحكومة أو إلى أقاربهم أو إلى المساجد. وهناك نحو 110000 غزي فقدوا مساكنهم تماما وهم الآن بدون مأوى دائم. وتقول منظمة رعاية الطفولة (يونسيف) إن أضرارا طفيفة لحقت بمدرستين إسرائيلتين. وبلغ عدد الذين هجروا مساكنهم من سكان المستوطنات القريبة من غلاف غزة نحو 28000.
لحقت خسائر بـ226 مدرسة منها 85 مدرسة تابعة للأونروا، من بينها ثلاث شهدت مذابح مروعة ونحو 141 مدرسة تابعة للحكومة. كما لحقت بست جامعات أضرار بعضها جسيمة وتضرر من الحرب 100000 طالب جامعي و152000 طالب مدرسي. وكذلك تضررت 58 مؤسسة صحية بين مستشفيات وعيادات. وتقول منظمة الصحة العالمية إن 51٪ من مستشفيات غزة وعياداتها قد تضرر و27٪ منها يجب أن يغلق، لأن الأضرار التي لحقت بها غير قابلة للإصلاح. وتم تدمير 17200 بيت بالكامل أو شبه كامل (18000 حسب مصادر فلسطينية) و37650 بيتا لحق بها نوع من الدمار، لكنها ما زالت قابلة للسكن. كما تم تدمير 60 مسجدا بالكامل و109 مساجد بشكل جزئي، كما دمر برجان سكنيان وبرجان تجاريان. وقد تم استهداف 26 جمعية خيرية تقدم خدمات لنحو 200000 مواطن.
إسرائيل تقول إنها ضربت 5226 هدفا بينما أطلقت فصائل المقاومة 4591 وتصدت القبة الحديدية لنحو 700 صاروخ، بينما تقول إسرائيل إنها دمرت نحو 3000 صاروخ و32 نفقا على الحدود.

الخسائر الاقتصادية

من المبكر تقديم تقديرات دقيقة حول الخسائر التي سببها الدمار الشامل في قطاع غزة، فما زالت عمليات التقييم والتقدير والمراجعة قائمة، ولا توجد تقديرات نهائية للخسائر الاقتصادية التي أصابت البنى التحتية والقوى الإنتاجية. لكن الأرقام الأولية التي قدمتها وزارة الاقتصاد الفلسطيني تقدر الخسائر على الجانب الفلسطيني بين 7.5 و 8 مليارات. فقد أدى العدوان على قطاع غزة إلى تدمير 143 مصنعا فلسطينيا مما أدى إلى فقدان 30000 عامل مصادر دخلهم.
وقد كان قطاع الزراعة الفلسطيني أكثر المتأثرين بالحرب، حيث بلغت حصيلة الخسائر بما فيها الثروة السمكية ما يقرب من 780 مليون دولار. وقد تعرضت 70٪ من الأراضي الزراعية للقصف، بحجة أن الصواريخ تطلق منها. وقد قدر المرصد الأورومتوسطي الخسائر على الجانب الفلسطيني في اليوم 47 من الحرب بـ3.1 مليار دولار بسبب استهداف 324 مصلحة تجارية وصناعية وقصف المنازل ومحطات المياه ومعالجة المياه العادمة والمقار الحكومية والمدارس وقوارب الصيادين ومحطات الكهرباء والمراكز الصحية والطرق والمؤسسات الأهلية والمساجد والكنائس والقبور.
على الجانب الإسرائيلي تقدر الخسائر بـ4.5 مليار دولار. فقد قـدّر صندوق النقد الدولي بعد أسبوعين من الحرب (25/7) أن الخسائر الإسرائيلية تعادل 0.02 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل 546 مليون دولار. وقد ذكرت صحيفة «يديعوت أحرنوت» أن الخسائر الاقتصادية (غير العسكرية) التي لحقت بإسرائيل بلغت 10 ملايين شيكل على أقل تقدير (2.9 مليار دولار). وذكر التقرير الذي نشر في الملحق الاقتصادي (منقول عن الدستور الأردنية 31 /8) أن الخسائر التي لحقت بالجيش والمؤسسة الأمنية بحاجة إلى 9 مليارات شيكل لتعويض مخزون الذخائر التي استخدمت في الحرب إضافة إلى تكاليف دعوة الاحتياط. وقد تؤدي هذه الخسائر إلى عجز في الميزانية يقدر بـ40 مليار شيكل.
قطاع السياحة الإسرائيلي كان من أكبر المتضررين في الحرب، حيث خسر نحو 560 مليون دولار. كما خسر القطاع الصناعي نحو 370 مليون دولار والقطاع الزراعي نحو 28 مليون دولار. وخسر قطاع الدعاية والإعلانات نحو 42 مليون دولار وخسر قطاع العقارات نحو 17 مليون دولار.
ملاحظة على هامش الموت: خلال فترة الحرب ولد 4500 طفل فلسطيني في قطاع غزة من بينهم 594 ولدوا في مدارس الأونروا، منهم 331 طفلا و263 طفلة، ولعل في ذلك عبرة لأولي الألباب. فالمقاومون الفلسطينيون «من الشظايا يولدون ومن المرايا يولدون، يولدون من الهزائم، يولدون من الجماجم، يولدون من البراعم، يولدون من البداية، يولدون من الحكاية، وسيولدون ويولدون ويولدون».

٭ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

ملاحظة: المعلومات الواردة في هذا التقرير مستقاة من وثائق وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) ومكتب منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (أوتشا) ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (يونسيف) والمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان ومراكز حقوق إنسان أخرى والمتعلقة بنتائج حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة لمدة واحد وخمسين يوما من 7 تموز/ يوليو إلى 26 آب/ أغسطس 2014.

د. عبد الحميد صيام