خبر : ثلاثة مبادئ لنجاح حكومة الوفاق الوطني ...بقلم: محمد ياغي

الجمعة 05 سبتمبر 2014 09:37 ص / بتوقيت القدس +2GMT



الكل الفلسطيني يدرك أن سبب فشل حركتي "حماس" و"فتح" في إعادة الوحدة السياسية بين غزة والضفة هو اختلاف البرنامج السياسي لكلا الفصيلين في مسألة الطريق الأمثل لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية منذ العام 1967.
يمكن بالطبع القول إن المسألة أكبر من ذلك ولها جذور أيديولوجية وأن "حماس" تريد تحرير كامل فلسطين بينما "فتح" تقبل بدولة على الجزء المحتل من أرض فلسطين منذ خمسة عقود تقريباً. لكن هذا يجافي عدة حقائق منها أن "حماس" وعلى لسان العديد من قادتها تقبل بحل الدولتين حتى لو صاغت ذلك بلغة الدولة مقابل الهدنة طويلة الأمد. أضف الى ذلك أن الخلاف الأيديولوجي لم يمنع "حماس" من المشاركة سابقاً في الانتخابات، ولم يمنع الإخوان المسلمين بشكل عام من التواجد في تحالفات تضم قوى علمانية في العديد من الأقطار العربية ومنها تونس، والأردن، ومصر حتى وقت قريب.
المسألة التي تُفرِق "فتح" و"حماس" إذاً، ليست الأيديولوجيا ولا تحرير فلسطين من بحرها لنهرها، ولكن الخلاف المتعلق بطريقة الوصول الى حل الدولتين- أو بشكل أدق الخلاف حول آلية إقامة دولة فلسطينية على أرض الضفة والقدس الشرقية وغزة الى جانب دولة الاحتلال وليس على أنقاضها.
في حين ترى "فتح" أن خيار المقاومة المسلحة قد جُرِب وأنه أوصل الشعب الفلسطيني الى إقامة سلطة وطنية عبر اتفاق أوسلو وأن استكمال المفاوضات خصوصاً إذا توفر ضغط دولي سيؤدي في النهاية الى إجبار إسرائيل على الانسحاب من الضفة والقدس وإقامة رابط جغرافي مع غزة يمكن الشعب الفلسطيني من إقامة دولته. ترى "حماس" أن هذا الخيار لن يحرر الأرض وأن دولة الاحتلال لا تريد ولا تخطط للانسحاب من الأرض الفلسطينية. "فتح" ترى أن رافعة إجبار إسرائيل على الانسحاب هي العمل الدبلوماسي والضغط الدولي، في حين أن "حماس" ترى أن الرافعة الفعلية هي المقاومة، والمسلحة منها بشأن أساسي.
حتى نكون أوفياء للتاريخ الفلسطيني، علينا أن نعترف أيضاً أن هنالك أصواتاً عديدة داخل "فتح" لا ترى فرصة لقيام الدولة الفلسطينية من خلال المفاوضات اعتماداً على الضغط الدولي ولا ترى أن دولة الاحتلال جادة في مشروع المفاوضات وأنها تستخدمه كغطاء للاستيلاء على الأرض الفلسطينية بتكثيف المستوطنات و"حشر" الفلسطينيين في معازل بلا تواصل جغرافي بينهم، وهم يلاحظون كيف اشتمل جدار الفصل العنصري القدس وأجزاء واسعة من الأراضي التي من المفترض أن تكون جزءا من الدولة المستقلة.
هؤلاء "الفتحاويون" يقولون إن الراحل عرفات قد لجأ لخيار المقاومة المسلحة أثناء المفاوضات وقد عارض مشروع الاستيطان في جبل أبو غنيم بقتال مسلح العام 1997، وبعد فشل مفاوضات كامب ديفيد لجأ الى الخيار المسلح مرة أخرى وأوقف التنسيق الأمني مع دولة الاحتلال.
"فتح" إذاً ليست موحدة أو مُجمِعة أن طريق المفاوضات ستوصل الشعب الى أهدافه. لكن أيضاً هنالك فرق بين التركيز على المقاومة كخيار إستراتيجي لإنهاء الاحتلال وبين اعتبار المفاوضات هي الخيار الإستراتيجي. يمكن القول إذاً، أن لحظة الدخول في اتفاق أوسلو كانت المنعطف الذي بدأت فيه "فتح" مشروع استبدال "المقاومة" كخيار بالمفاوضات كبديل لها.
قدر الشعب الفلسطيني أن اللحظة التي استبدلت فيها "فتح" برنامجها المقاوم بالمفاوضات مع والضغط الدولي على دولة الاحتلال، هي اللحظة نفسها التي تبنت فيها "حماس" خيار المقاومة المسلحة كمشروع لإنهاء الاحتلال. للبعض هذه لم تكن مصادفة بل مناكفة، لكن لهذا حديث آخر. الأهم هنا أن وجود برنامجين في الساحة الفلسطينية هو السبب الذي يمنع الوحدة الفلسطينية السياسية بين الضفة وغزة. وأن التغلب على هذه العقدة هي المقدمة المنطقية والطبيعية لإغلاق ملف الانقسام ولإنهاء كل حديث عن خروقات من "حماس" أو "فتح" لاتفاقات المصالحة العديدة.
كيف يمكن التغلب على هذه العقدة. يمكن حصر المبادئ التي تؤسس لوحدة فلسطينية حقيقية في ثلاث قضايا إن تم الاتفاق عليها لن نسمع اتهامات من طرف لطرف آخر تجعل من مشروع إنهاء الانقسام مجرد حديث صالونات غير مثمر:
أولاً، كل من "فتح" و"حماس" عليهما أن يسلما باستحالة أن يتمكن طرف من إنهاء الآخر، وأن يعترفا بأن الخلاف الإستراتيجي بين مشروعي المفاوضات والمقاومة سيحسمه الفلسطينيون في نهاية الأمر. إذا تمكنت المفاوضات من إنهاء الاحتلال لن يكون هنالك ميل فلسطيني للمقاومة لأن الأخيرة مجرد أداة لإنهاء الاحتلال ولا يوجد من لديه الرغبة في القتال حباً فيه. وإن فشلت المفاوضات فإن الفلسطينيين سيميلون أكثر لخيار المقاومة لاستعادة حقوقهم وهذه طبيعة البشر وليس اختراعاً فلسطينيا.
الآن سيقول البعض بأن خيار المفاوضات فشل وأن الفرصة يجب أن تعطى للمقاومة. شخصياً أتفق مع هذا الاستنتاج لكن المبدأ الذي على الطرفين الإقرار به هو أن يُترك للناس تقرير موعد الفشل أو النجاح. سنلاحظ ذلك من خلال مقاومة الناس العفوية للاحتلال ومن خلال استعداد الناس لتنظيم نفسها للمقاومة تلقائياً وهي مسألة نقترب منها في تقديري ويمكن ملاحظة مشاهد منها خلال العدوان الأخير على غزة.
ثانيا، "فتح" عليها أن تقر باستحالة عودتها للسيطرة الأمنية على غزة كما هي مسيطرة أمنياً على الضفة. السبب بسيط وهو أن دولة الاحتلال لم تتمكن خلال ثلاث حروب على غزة من إنهاء المقاومة وبالتالي من المستحيل تحويل غزة أمنيا الى وضع يشبه ما يجري في الضفة. الأجنحة المسلحة في غزة لن تسمح بذلك وأي محاولة للقيام بذلك ستنتهي باقتتال يفاقم الخلاف بين الطرفين ويكرسه بدلاً من أن ينهي الانقسام. لهذا بالضبط ليس لـ "فتح" مصلحة حقيقية في العودة للسيطرة على غزة. أقصى ما يجب أن تسعى له "فتح" هو المشاركة المدنية في حكم غزة: بمعنى المشاركة في إدارة حياة الناس اليومية بما في ذلك مشروع إعادة إعمار غزة، تسهيل حركة الناس على المعابر، إدارة الوزارات والبلديات. وهنا نركز على كلمة "المشاركة" لأن الواقع على الأرض في غزة لا يسمح بالتفرد. أما الجانب الأمني فإن مصلحة "فتح" ومصلحة الشعب الفلسطيني تفرض عدم الاقتراب من هذا الملف. الموجبات يجب أن تكون واضحة للقارئ. عملياً "فتح" لا تستطيع السيطرة على غزة في ظل وجود عشرات الآلاف من المقاتلين. مصلحة الشعب الفلسطيني تتطلب أن لا يتم المساومة على خيار المقاومة طالما بقي الاحتلال موجوداً في الضفة والقدس وطالما بقيت السيادة الفلسطينية على الأرض والبحر والأجواء ناقصة. الحرب الأخيرة أثبتت أن خيار المقاومة ليس عبثيا وأن الاحتلال لا يمكنه السيطرة على شعب مستعد للمقاومة.
ثالثاً، رفع وتيرة التنسيق بين "فتح" و"حماس" من خلال تفعيل الإطار القيادي المؤقت والموحد لمنظمة التحرير. عندما تكون حركتا "حماس" و"الجهاد الإسلامي" داخل منظمة التحرير وجزءا مشاركا في اتخاذ القرار السياسي فإن فرصة الخلاف ستكون أقل. هذا لا ينهي الخلاف البرامجي، ولكنه يمنع من تصاعد الخلاف بين الأطراف المختلفة ويؤسس لمزيد من التفاهمات حول إدارة غزة وكيفية التعامل مع "حماس" و"الجهاد" في الضفة دون الوصول الى نقاط احتكاك وصدام. علينا أن نعترف بأن الإطار القيادي الحالي للمنظمة ضعيف ليس بسبب عدم تمثيله الفعلي للشعب الفلسطيني فقط ولكن لأن المنظمة تحولت منذ عقدين الى تابع للسلطة بينما الأساس هو تبعية الأخيرة للمنظمة باعتبار الضفة مجرد ساحة من ساحات الفعل الفلسطيني وليست الساحة الوحيدة.
هذه المبادئ في تقديري هي الأساس للتعايش مع الانقسام ومنع تفاقمه والأهم من ذلك بأن الإقرار بها وتبنيها يجعل من "الانقسام" رافعة لوصول الشعب الفلسطيني لأهدافه وليس طريقاً لاقتتال داخلي أو فرصة لتكريس الاحتلال. رافعة لأن خيار المقاومة يبقى ضمن هذه المبادئ قائما ومعززاً لخيار المفاوضات، حيث تحتاج دولة الاحتلال لمن يذكرها بين فترة وأخرى بأن البديل لعدم إنهاء الاحتلال هو المقاومة. والإقرار بها يمنع الاقتتال الداخلي لأن "فتح" ستشارك في إدارة غزة مدنياً وليس أمنياً وهو ما يعزز التعاون ويمنع الصدام، وهذه المبادئ تمكن الشعب الفلسطيني من التوجه للعالم بصوت واحد لإنهاء الاحتلال وتحرم إسرائيل الادعاء بأن الشعب الفلسطيني منقسم على نفسه.
باختصار ما يحتاجه الشعب الفلسطيني اليوم هو ما هو ممكن وليس ما هو مستحيل. الممكن هو هذه المبادئ التي تؤسس لبناء بنية تنظيمية جامعة. المستحيل هو الحديث عن بندقية واحدة وعن آلية واحدة لإنهاء الاحتلال.