ما أن هدأ القتال الميداني مؤقتاً، وتوقف نزيف، بل شلال، الدم الفلسطيني، وحتى قبل انتهاء الشق السياسي للمعركة، بل، وفي ظل تراجع حكومة الاحتلال عن فتح كل المعابر، وعزم الإدارة الأميركية تقديم مشروع قرار لمجلس الأمن، جوهره "غزة خالية من السلاح والأنفاق" مقابل إعادة إعمارها، ما يعني إصرار حكومة الاحتلال، برعاية أميركية، على تحويل فشلها الميداني، بل هزيمتها بمنطق المقاومة واختلال ميزان القوى، إلى انتصار سياسي، حتى وجد الشعب الفلسطيني نفسه أمام مفاجأة تجديد خطاب الانقسام الداخلي، بصورة تنذر بالعودة إلى مربع ما قبل التوحد الميداني في المعركة وتشكيل وفد وطني لإدارتها سياسياً، بل إلى مربع ما قبل "اتفاق الشاطئ" وتشكيل "حكومة التوافق الوطني".
وكل ذلك، عوض تطوير ما حققه شعبنا بصموده الأسطوري ومقاومته الباسلة وتضحياته الجسيمة الغالية من إنجاز ميداني يقر به العدو قبل الصديق، إلى إنجاز سياسي يصعب، بل يستحيل، بلوغه دون ارتقاء وحدة "حكومة التوافق الوطني" الشكلية المتعثرة إلى وحدة وطنية حقيقية قائمة على برنامج سياسي موحَّد يمكِّن شعبنا وحركته الوطنية من التصدي لمرحلة ما بعد الحرب بمهامها الوطنية العاجلة: رفع الحصار عن غزة وإعادة إعمارها وحماية مقاومتها، والمرحلية: دحر الاحتلال إلى حدود 4 حزيران 1967، على طريق، وبما لا يغلق باب، مواصلة النضال الوطني لتحقيق كامل الحقوق الوطنية والتاريخية الفلسطينية، وجوهرها حق اللاجئين في التعويض والعودة إلى ديارهم الأصلية وفقاً للقرار الدولي 194.
على أية حال، من حق طرفيْ الانقسام الداخلي التلاوم، بل من حق كل طرف منهما إثارة ما له من خلافات مع الطرف الآخر، لكن ما ليس من حقهما هو تفجير أزمة الخلافات الداخلية بينما الشق السياسي لحرب المجازر والتدمير الصهيونية، وهو الأقسى على أية حال، لم ينته بعد، وفيما غزة غارقة في بحر من الدماء ودمار شامل خلفتهما حرب همجية مبيتة ضد الشعب الفلسطيني من بوابة قطاع غزة بهدف اجتثاث مقاومته وتكريس حصاره وفصله عن الضفة.
ما يعني أن السؤال هو ليس حول الحق المبدئي في إثارة الخلافات الداخلية، إنما حول متى وكيف وأين تتم إثارة هذه الخلافات التي نعلم، ويعلم الجميع، أنها لم تنته بتشكيل "حكومة التوافق الوطني" الشكلية عشية الحرب، ولا بالتوحد الميداني وتشكيل الوفد الوطني أثناء الحرب.
إذاً كان المطلوب، بل المفروض، ولا يزال، استكمال حل هذه الخلافات بصبر وحكمة وإيثار وطول نفس، وعبر حوار وطني شامل تشارك فيه بجدية بقية أطراف الحركة الوطنية، ويتركز على إجراء مراجعة سياسية شاملة، سواء لجهة كيفية إدارة التناقض الأساس: الصراع مع الاحتلال، أو لجهة كيفية إدارة التباينات والخلافات والاختلافات الداخلية في مرحلة تحرر وطني لم تنته بعد، أو لجهة كيفية التعامل مع تجاذبات واستقطابات محاور المرحلة الجديدة، عربيا وإقليمياً ودولياً، وتداعياتها الكبيرة على القضية الفلسطينية.
وكل ذلك في إطار وضع الآليات العملية لتنفيذ بنود الاتفاقات الوطنية السابقة، وأهمها " إعلان القاهرة"، 2005 و"وثيقة التوافق الوطني"، (وثيقة الأسرى)، 2006، اللتان وقعهما الجميع، وما زالتا تشكلان أساساً صالحاً للبناء عليهما وحل جميع قضايا الخلاف الداخلي، بما فيها قضايا المفاوضات والمقاومة وإعادة بناء وتفعيل وتوحيد منظمة التحرير الفلسطينية، الإطار الوطني الجامع، والممثل الشرعي الوحيد لشعبنا في الوطن والشتات.
إن الذهاب إلى هذا الخيار الوطني الوحدوي والديمقراطي في آن لا يقتضيه - فقط - الدرس المستخلص من قدرة وحدة شعبنا ومقاومته الدفاعية الباسلة على إفشال أهداف حرب الاحتلال البربرية على قطاع غزة، واستباحته الشاملة للضفة، وقلبها القدس، بل يقتضيه أيضاً، وقبل ذلك، كامل الدروس المستخلصة من قدرة وحدة هذا الشعب المكافح الصبور على الصمود ومواصلة المقاومة الدفاعية والتمسك بحقوقه الوطنية والتاريخية على مدار نحو قرنٍ، واجه خلاله، ولا يزال، احتلالاً استيطانياً عنصرياً إقصائياً إحلالياً، رعته منذ نشأته، ولا تزال، قوى الاستعمار والإمبريالية الغربية بكل ما لها من نفوذ دولي وإقليمي، وكي لا ينسى أحد يجدر التذكير - بإيجاز - بمجموعة من الحقائق، جوهرها:
قبل "النكبة" ناهض الشعب الفلسطيني بدايات المشروع الصهيوني، وتبلورت حركته الوطنية في خضم مقاومة دفاعية بلغت ذروتها في ثورة 36 - 39، وفي القتال البطولي ضد قرار تقسيم فلسطين. وبوقوع "النكبة" تراجع منسوب المقاومة الفلسطينية لكنها لم تنقطع.
بعد هزيمة 67 تخلت الرسمية العربية عن إستراتيجية تحرير فلسطين، لمصلحة إستراتيجية "إزالة آثار العدوان".
بعد ذلك الانكسار الرسمي العربي، وجنباً إلى جنب مع حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية، تحولت شرارات العمل الفدائي الفلسطيني قبل "النكسة" إلى مقاومة شعبية مستمرة وشاملة، تنقَّل مركز ثقلها من الأردن إلى لبنان إلى الوطن بدءاً بالانتفاضة الشعبية الكبرى، 1987.
في "مؤتمر مدريد للسلام"، 1991، بلغ تراجع الرسمية العربية منتهاه بتعميم خيار السادات في التفاوض المنفرد المباشر تحت الرعاية الأميركية لإبرام تسويات "الأرض مقابل السلام"، بديلاً لخيار "إزالة آثار العدوان" دون قيد أو شرط.
رغم ذلك، ورغم موافقة منظمة التحرير الفلسطينية على خيار "مدريد" وصولاً إلى إبرام "اتفاق أوسلو"، إلا أن قادة الاحتلال، بنظامهم الصهيوني العدواني التوسعي الإحلالي، حولوا، برعاية أميركية، 25 عاماً من مفاوضات "مدريد" و"أوسلو"، إلى غطاء لتكريس الاحتلال وتعميقه وتحقيق المزيد من الأهداف الصهيونية، بل إلى آلية لتصفية القضية والحقوق والرواية والمقاومة الفلسطينية.
لذلك لم يكن غريباً أن يتخلل سنوات المفاوضات استمرار المقاومة الفلسطينية الدفاعية، بدءاً بـ "هبة النفق"، 1996، مروراً بـ "انتفاضة الأقصى"، 2000، تعريجاً على مقاومة اجتياح الضفة الشامل وإمطار قطاع غزة بالغارات الجوية والبحرية والبرية التدميرية، 2002، وصولاً إلى الهبات الشعبية التي لم تنقطع ضد الاستباحة الشاملة للضفة، وقلبها القدس، والمقاومة الباسلة ضد جولات حرب المجازر والتدمير المفتوحة على الشعب الفلسطيني من بوابة قطاع غزة في (2008 - 2009)، و(2012)، وأكثرها همجية الأخيرة، (2014).
يعنينا مما تقدم استخلاص والتشديد على النقاط الأساسية الآتية:
أولاً: تطوير القائم من الوحدة بين أطراف الحركة الوطنية بمشاربها المختلفة على أساس برنامج سياسي واضح المعالم ليس أمراً اختيارياً، إنما هو مفروض، ودونه تصبح النخب القيادية الفلسطينية في واد وشعبها في واد آخر، لأنها بذلك إنما تحوِّل بيدها انتصار شعبها الميداني المعمد بشلال من الدماء والتضحيات الجسيمة الغالية، وبما لا يوصف من أشكال الدمار، إلى هزيمة سياسية.
ثانياً: المقاومة الفلسطينية الدفاعية بمعناها الشامل لم تكن يوماً أمراً اختيارياً، إنما مفروضاً لا مهرب منه، ما دام الاحتلال قائماً، ويستبيح كل ما هو فلسطيني، ولا يرى في الفلسطينيين شعباً له الحق في الحرية والاستقلال والعودة، إنما مجرد "مجموعات سكانية غير يهودية" لها حاجات إنسانية تمنحها أو تسحبها "دولة الشعب اليهودي" القائمة على "أرضه التاريخية"، بمقدار تخلي شعب فلسطين عن حقه الطبيعي الشرعي والمشروع في مقاومة الاحتلال.
ثالثاً: عدم قدرة الشعب الفلسطيني حتى الآن على تحقيق نصر سياسي حاسم، ولو في حدود طرد الاحتلال إلى حدود 4 حزيران 1967، لا يعود إلى تقاعس هذا الشعب عن المقاومة الدفاعية التي لم تنقطع، إنما إلى طبيعة هذا الاحتلال، فهو ليس احتلالا قامت به دولة قائمة لنهب خيرات دولة أخرى، إنما احتلال استيطاني إقصائي إحلالي، نفذته حركة عنصرية، (الحركة الصهيونية)، اخترعت لنفسها شعباً وأرضاً، وأسست جيشاً باغياً أنشأ دولة، ونفذ أبشع عملية سطو سياسي عرفها التاريخ الحديث، وارتكب، ولا يزال، ما لا يحصى من جرائم الحرب الموصوفة والتطهير العرقي المخطط والإبادة الجماعية الممنهجة التي لم تبدأ، ولن تنتهي، بما ارتكب منها بحق فلسطينيي قطاع غزة خلال الحرب البربرية الأخيرة.


