ثمة جدل يتسع ويذهب بعيداً في الفضائيات وعلى صفحات التواصل الاجتماعي حول من المنتصر في الحرب على غزة، جدل عبثي هو صدى واضح لجدل السياسيين وخطاباتهم واحتفالات النصر التي ستنقشع أدخنتها وغبارها عن مدينة مدمرة، سيذهب المحتفلون الى بيوتهم في النهاية او مناطق الإيواء في غزة، ستبهت الهتافات وسينزل "ابو زهري" الناطق باسم حماس وملقي خطاب النصر عن أكتاف المتظاهرين ويمشي على الأرض، سيطوي حاملو الرايات بألوانها الفصائلية راياتهم ويعيدونها الى مخازن التنظيم كعهدة للمسيرة القادمة، ربما ذلك الفتى الصغير الذي كان يلوح بعلم البلاد الصغير من فجوة في احد البيوت المدمرة هو الوحيد الذي سيعود بعلمه والخشبة التي ثبته عليها إلى بيته، يبدو منزليا تماما، العلم، وفقيرا ومرتبكا في مهرجان الأعلام الملونة كبلادنا.
لنتفق أولا على أن اسرائيل هي الخاسر الرئيس في هذه الحرب، وأن الثلاثي نتنياهو ووزير دفاعه يعلون ورئيس اركانهما غانيتس، هم من يجري شدهم الآن من ياقاتهم واقتيادهم الى المقصلة التي بدأ الثنائي اليميني بينيت وليبرمان نصبها لهم بهمة عدو واستعجاله منذ حادثة اختطاف المستوطنين الثلاثة في مستوطنة "كفار عتصيون".
يعرف نتنياهو أن ذلك يحدث وأن اللغة لم تعد كافية أمام "تحالف الأشرار" الذي يتجول في غرفة نومه ويتدخل في كوابيسه، بينما يتهاوى اسمه في استطلاعات الرأي وتتبخر معجزاته في الاقتصاد والأمن والإعلام وتتآكل هيبته، تحديدا من معسكره ومن أشقائه وأنسبائه المستوطنين، فقد أظهر آخر استطلاع للرأي العام في إسرائيل نشره التليفزيون الإسرائيلي (القناة الثانية) الأسبوع الماضي أن الثقة بأداء رئيس الحكومة الإسرائيلي قد انهارت بشكل مفزع حتى بلغت نسبة الراضين عن أدائه في الحرب على غزة 38%، فيما وصلت في الأيام الأولى للحرب 82%.
على الجانب الآخر، جانبنا، لم ينجح "الإخوان المسلمون" في تنظيف غسيلهم في غزة، لم تنجح شيطنة مصر وعزلها شعبيا وسياسيا، لم تنجح أفكار التشكيك ودسائس الجزيرة في الإساءة لخصوم الجماعة، مؤتمر باريس كان مأساة حقيقية وكارثة ديبلوماسية، لم تنجح هذه المرة حيلة احتكار المواجهة و"النصر" رغم الخطابات والمسيرات واحتفالات النصر وانفعال موظفي الجزيرة وإدارتها الجديدة وضيوفهم، فقد سمحت الفترة الطويلة للمواجهة باختراق التعتيم الذي تفرضه عادة حماس على أدوار الفصائل والأجنحة العسكرية الأخرى، وكان واضحا الدور الأساسي في المواجهة لحركة الجهاد الإسلامي سواء على الصعيد العسكري أم في الأداء السياسي، وهذا يشمل كتائب الأقصى رغم ملاحقة ومطاردة أجهزة حماس لها والتي وصلت حد الاعتقال والإقامة الجبرية واطلاق النار في ظاهرة جنونية غير مسبوقة، كذلك كان يمكن التقاط دور واضح لفصائل اليسار الديموقراطية والشعبية في الميدان وضمن الوفد الموحد، يمكن هنا الإشارة الى قناة الميادين التي فككت احتكار الجزيرة ووفرت منبرها لمعظم المتضررين من أعلام القناة القطرية.
الرئيس محمود عباس التقط المعادلة الجديدة التي تشكلت بعد العدوان وأعاد من خلالها بناء مبادرة سياسية من ثلاث مراحل مرتكزاً على المنجز السياسي الذي تعزز بالاعتراف الدولي بفلسطين كدولة مراقبة في الأمم المتحدة من جهة، وعلى الحقائق التي فرضتها المقاومة في الميدان، اضافة الى حركة المقاطعة الدولية المتصاعدة لإسرائيل والتي هي مزاج دولي داعم للتوجهات الفلسطينية، المبادرة باتت على الطاولة الآن مع إشارة واضحة حول موافقة خالد مشعل عليها، وهو أمر لم تنفه حماس حتى الآن، هي مبادرة تنطلق داخلياً من شرعية السلطة الوطنية ووحدة القرار السياسي والعسكري.
السؤال المحوري في كل هذا الجدل وإثارة الغبار هو ما الذي تريده حماس حقاً؟.


