نعم لقد ربحنا معركة العدوان على غزة.
ربحناها بالمعنى السلبي حين منعنا العدو أن يحقق أياً من أهداف عدوانه المباشرة وغير المباشرة.
وربحناها بالمعنى الإيجابي بتلك الصورة المبهرة من التوحد الشعبي والسياسي، ممتزجة بتلك الصورة الاستثنائية من اقتدار المقاومة في التعامل مع العدوان والرد على المعتدي الصاع بالصاع والقصف بالقصف، وإدمائه وإيلامه في عمق مأمنه، وفي مستوى من الندية لم يحصل في اي وقت.
قد يقول البعض ان هناك مبالغة وتضخيما لهذا الربح لكن هذا لا يغير من حقيقة وجوهر الأمر في شيء.
إن ابتهاج الناس ونزولها بالشوارع للاحتفال ينبع من إحساسها الصادق ان ما تحقق هو نصر اشتاقت له وانتظرته وعملت له طويلا. والنصر هو مواساتها الحقيقية عن كل ما عانته من فقد وتدمير وعذابات، لذلك فهي تفرح وتحتفل.
لكن الحرب لم تنته بعد.
والحرب لن تنتهي أبداً قبل ان يزول الاحتلال كليا وتماما، وقبل ان يحقق الشعب الفلسطيني حريته وينتزع حقوقه الوطنية وبدايتها حقه في تقرير مصيره وبناء دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، فلا يمكن بحال اختزال القضية الوطنية الفلسطينية في العدوان على غزة والتصدي له وتحقيق بعض المطالب/ الحقوق.
والحرب أيضا لم تنته من جهة العدو، فما زال في جرابه أفاع يخرجها، وأوراق يلعب بها، وأول ساحات المواجهة ستكون المفاوضات غير المباشرة التي تستأنف الشهر القادم.
بدون المبالغة في القول ان ميزان القوى قد انقلب او اختل اختلالا كبيرا، فان إسرائيل قد خرجت من عدوانها ليس كما دخلته، والفلسطينيون كذلك خرجوا منه ليس كما دخلوا.
إن أهم ما تمخض عن العدوان ومعركة التصدي البطولي له على المستوى الداخلي الفلسطيني هو تحقق وحدة وطنية متينة في كافة المجالات والمستويات الشعبية والمقاومة والسياسية والتفاوضية.
وشكل تحقق هذه الوحدة وثباتها عنواناً من اهم عناوين فشل العدوان الصهيوني على غزة، إن لم يكن أهمها.
وإذا كان صحيحاً أن معركة العدوان والتصدي له هي ما كرس الوحدة بهذه الصورة المبهرة، فهل ستنتهي بعد توقفه، وكأن هذه الوحدة لم تكن اكثر من ائتلاف فرضته ظروف العدوان؟
العكس هو ما يجب ان يحصل، وعلى مكونات النضال الوطني الفلسطيني من تنظيمات وقوى وهيئات مجتمع مدني ومستقلين، ومعهم جموع الجماهير التي أكدت دورها وفاعليتها خلال العدوان، ان تحول الوحدة كما كرستها الحرب الى حالة وجود دائم ومستقر، ومؤسسي ايضا.
خصوصا وان مجريات العدوان ومقاومته والتصدي له بشكل موحد قد حسمت الرؤيا والموقف تجاه عناوين لم تكن القناعات موحدة او متوفرة حولها بالشكل الكافي.
وخصوصا أيضا أن العمل بهذا الاتجاه يبني على اتفاق المصالحة الذي تم إقراره والذي نتج عنه حكومة الوفاق الحالية.
مكونات او بنود حالة الوجود الدائم للوحدة معروفة وينادي بها معظم من يتعاطى بهذا الأمر: من الاتفاق على البرنامج، الى إحياء منظمة التحرير بدءا بتفعيل الإطار القيادي، الى توحيد الأجهزة، الى... لكن هناك عنوان حسمت المعركة الموقف منه، وهو مسار المفاوضات كما كانت جارية، باتجاه الخروج منها، وبالذات الخروج من إسار الاحتكار الأميركي لها. وإذا كانت هناك ظروف وشروط تسمح بالتفاوض فيجب ان تكون في إطار المجتمع الدولي ومنظماته وبرعايتها وتحت اشرافها.
وهناك عناوين سلطت المعركة الضوء على أهميتها الخاصة، منها :
- تكريس حكومة الوفاق الوطني عنوانا أول، وربما أوحد، في كل ما يتعلق بإعادة إعمار غزة وتوفير الخدمات العامة لها وكافة احتياجاتها. وهذا يفترض انتقال الحكومة كلها او معظم وزرائها للإقامة والعمل في غزة، وأيضا، للبدء بالتسلم التدريجي والسلس للمفاتيح التي تمكنها من الإدارة الفعلية لوزاراتها بإداراتها وأجهزتها.
وهذا لا يتعارض مع اي اقتراح بتطوير الحكومة وتقويتها.
يجب ان ينتهي كل حديث وكأن لدى الفلسطينيين كيانين بينهما الآن تفاهم او وحدة حال : نحن (او اسم التنظيم)، والسلطة الوطنية او حكومة الوفاق.
- أما وقد حسم، كما يفترض، موضوع التقدم لطلب عضوية عدد واسع من المنظمات الدولية وفي مقدمتها محكمة الجنايات الدولية، فانه لا يقل أهمية عن ذلك التوجه الجدي والمبرمج للتعامل مع المجتمع المدني على امتداد العالم ومع هيئاته الوطنية والدولية. فقد أكدت معركة العدوان على غزة والتصدي لها الدور الاستثنائي لحركة المجتمع المدني وتأثير دورها ومدى تعاظمه.
ان التوجه للتعامل مع المجتمع المدني وهيئاته بقدر ما يتطلبه من دراسة متخصصة ينتج عنها قرار قيادي يحدد جهة او جهات التعامل، فانه يتطلب بالوقت نفسه ان تقوم هيئات المجتمع المدني الفلسطيني بكامل تنوعها بدورها في هذا المجال، كما يتطلب التعاون والتنسيق بين الرسمي والشعبي.
- ضرورة وضع الفواصل والتخوم المناسبة في العلاقة ما بين الوطني وما فوق الوطني، على القاعدة المكرسة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للأنظمة العربية.
وبحيث تحفظ حق وحرية الانتماء الى تنظيمات او جماعات فوق وطنية من جهة، وتؤكد الانتماء الوطني والتقيد بضروراته وباستقلالية قراره وقيام هذا القرار على العوامل والضرورات الوطنية أساسا، من جهة أُخرى.
تبقى في النهاية ملاحظة، اذا كان ممكنا فهم وتجاوز انفراد تنظيم معين بالدعوة الى الاحتفالات الجماهيرية بالنصر، واذا كان ممكنا فهم وتجاوز ان يكون كل حديثه عن العدوان والبطولات العظيمة والحقيقية في التصدي له بمنطق ولغة الذات التنظيمية.
فكيف يمكن فهم وتجاوز او تفسير ان يغيب العلم الفلسطيني تماما وكليا عن هذه الاحتفالات وان تحضر مئات وربما آلاف من أعلام هذا التنظيم فقط؟
الا يعيد هذا التصرف سؤال العلاقة والأولوية بين التنظيمي والوطني وما فوق الوطني؟


