اطلعت في أوساط عقد الثمانينات حينما كنت أقيم واعمل في جزيرة قبرص الجميلة والوادعة، على فيض واسع من الترجمات المنقولة عن العبرية لدراسات وأبحاث ومقالات، التي قام بكتابتها عدد من أبرز الجنرالات والمنظرين العسكريين الإسرائيليين، والتي تمحورت جميعها حول مسألة واحدة : كيفية بناء القوة في الاستراتيجية المقبلة للجيش الإسرائيلي. وأعترف ان المستوى النظري لهذه المداخلات التي لم أجد لها نظيراً في كتابات العسكريين العرب، وكانت اقرب الى روح هذا التنظير التقليدي بشأن الاستراتيجية في المدرسة الأوروبية والأميركية، قد أدهشتني الى الحد أنني أعدت تلخيص هذه الكتابات في كتيب صغير، اعيد نشره أيضا في مجلة الأبحاث الفلسطينية المعروفة آنذاك "شؤون فلسطينية".
إنني أشير الى هذه الخبرة الآن متذكراً كلمات ياهوشفاط هركابي هذا المفكر الإسرائيلي العبقري في الاستراتيجية، عن العوامل ما فوق القوة والتي تتمثل بمنظومة الأعراف والقيم الأخلاقية للمدنية المعاصرة، والتي تجعل هناك حدودا لهذه القوة. كما استرجاع الكلمات الرنانة عن طهارة السلاح، لنرى اليوم ان كان جيلا من القادة الإسرائيليين والمنظرين العسكريين الأوسع شهرة ومهنية في تاريخ إسرائيل، قد رحلوا في معظمهم عن الحياة ورحلت معهم كما تبين اليوم أسطورة جيش، وما كان لهذه الأفكار أن تحدث أي صدى حقيقي في عقيدة وسلوك واستراتيجية جيش، تحول بعد ثلاثين عاما إلى ما يشبه في صورته وأدائه جيشا من العهود البربرية القديمة، والذي تغير معيار النصر في الحروب بالنسبة له بمقدار الدمار الذي يحدث في مدن العدو التي يغزوها، وعدد الأطفال والنساء والناس المدنيين الذين يقطع لحمهم بقصف البيوت على رؤوسهم.
لم أر اي ملمح في تلك الدراسات عن استهداف المنازل والبيوت باعتبارها بنك أهداف، وهذا المصطلح جديد تماما، وحينما تحدث هركابي عن حروب اللعبة المضادة اي حرب العصابات التي تقوم بها المقاومة الفلسطينية، إلا انه كان من الواضح ان التفكير لمواجهة هذا التحدي لم يصل الى هذا الحد من الشيطانية والتجرد من كل إنسانية بتدمير أحياء كاملة من السكان، وإبادة العائلات بأكملها في الوقت الذي ظهر فيه الجيش على مستوى الاشتباك البري مع المقاومة، وكأنه فاقد لأي حيلة ولا يمت بصلة لهذا الجيش القديم زمن دايان ورابين.
هل كانت هذه التصورات النظرية عن الاستعداد لميدان المعركة القادم هي آخر محاولة من نوعها، تعكس جهدا نظريا غير مسبوق لتقديم صورة وهمية عن جيش لم يعد في تحوله التاريخي يقدم اي مأثرة تستحق الإعجاب، بعد ان بلغ في حرب لبنان العام 1982 بداية النزول الى المنحنى ؟ حين يترك الجنود سيقانهم للريح في عقد التسعينات أمام حزب الله، الأمر الذي دعا عيزر وايزمن ان يطلق دعوته الشهيرة لإعادة تأهيل كل هذا الجيش، ويومها كان على شمعون بيريس آنذاك ان يبدأ هذا التوجه الدامي بقتل المدنيين في قانا كتعويض عن الفشل في ميدان الحرب أمام حزب الله . وفي العام 2000 كان الهروب الكبير، والعام 2006 الهزيمة أمام مارون الراس، واستعمال الرد على المدنيين كبديل عن تحقيق النصر في الميدان.
وهنا سوف تبلغ حبات السبحة اكتمالها في الحرب الأخيرة على غزة، وحيث الآية معكوسة إسرائيل بدون نظرية قتال بينما حزب الله بالأمس و"حماس" اليوم بنظريات قتال مبتكرة، تستحق الدراسة في الأكاديميات العسكرية عن هذا النمط في الحروب بين القوى غير المتكافئة، وحيث الجيوش الصغيرة تهزم الجيوش الكبيرة.
كان ذلك النقاش في عقد الثمانينات يدور حول الجدل بين الكمية والنوعية بين الجيوش الكبيرة وبين الجيوش الصغيرة، لقد اتفقوا على انه ليس أمام إسرائيل الدولة الصغيرة من الناحية الجيو استراتيجية، سوى الاعتماد على بنية جيش صغير ولكنه نوعي يستطيع ان يطور ويستفيد من مضاعفات القوة، لكن كل ذلك لم يجد له انعكاسا حقيقيا على ارض الواقع، واعدت إسرائيل نفسها للحروب المستقبلية مع جيوش الماضي اي الجيوش العربية المحيطة، الا ان الحروب الحقيقية التي خاضتها إسرائيل على مدى العقود الثلاثة الأخيرة، إنما كانت مع الجيوش الصغيرة الشبكية غير الدولانية "حماس" وحزب الله والانتفاضات الفلسطينية، ولعلها مفارقة أيضا انه في غضون هذه الحقبة حدث انهيار الجيوش العربية وانسحابها من المشهد، وبينما أعدت إسرائيل بناء قوتها على أساس التفوق في التسليح والتكنولوجيا، الا ان هذه الجيوش الصغيرة هي التي تفوقت في الحيلة كما الاستثمار غير المكلف في مضاعفات القوة. كما بقيت هذه التصورات المجردة بعيدة من ان تجد لها قوة راسخة في ظل انعدام تقاليد تدعمها، لما يمكن أن نسميه بالروح القتالية او الجندية حينما بدا واضحاَ منذ الحرب في جنوب لبنان والحروب الثلاثة على غزة، إن موروثاً من التقاليد العنصرية والفاشية العرقية الدينية المتطرفة، هي السمة الرئيسية للقرارات التي يتخذها قادة الجيش في البحث عن صورة للنصر، في كل مرة من خلال ارتكاب المجازر والدمار. وهي تقاليد ترجع جذورها الى حقبة عمل العصابات الصهيونية المسلحة ما قبل العام 1948، وان ما جرى ترديده عن طهارة السلاح والمعايير العرفية والأخلاقية، انما كان ضربا آخر من هذا التساوق الذي يغلب عليه الملق والنفاق مع ثقافة الغرب الليبرالية، لدولة بدت في ذلك الوقت وكأنها فخورة بقوتها وما وصلت اليه من امتلاك ذراع طويلة .
تم كسر هذه الذراع على حدود غزة التي لا تعادل شيئا يذكر في موازين القوى، واذ ترافق هذا التحول المفاجأة الكبرى مع تفوق أخلاقي للمقاومة الفلسطينية، باستهداف الجنود وقواعد الجيش وتحاشي ضرب المدنيين فإن ما يحدث اليوم هو العلامة على الطريق المقبلة، هو الإشارة إلى المستقبل، فحينما تنحدر القوة والمعايير الأخلاقية لامة او جيش، فإن هذه هي الإشارة إلى اندحاره القريب، وحينما يظهر شعب وقوة تدافع عن هذا الشعب رغم كل الدمار والقتل الذي أصابه، هذه الرفعة الأخلاقية بالتفوق على أعدائه. فإن هذه هي العلامة الواضحة عن انتصاره. وانه لا يفوتني الإشارة هنا الى ما ورد على لسان اشهر ناطق عسكري في زماننا اليوم وهو ابو عبيدة، حينما حذر المهجرين من سكان غلاف غزة انه إذا كان لا بد من عودة البعض منهم للضرورة، أن يأخذوا أماكنهم في الملاجئ والغرف المحصنة. كانت هذه دعوة نادرة من منظمة توصف بالإرهاب من لدن عدوها، أما الإشارة الثانية فهو ما ورد خطاب خالد مشعل عن المصالحة مع اليهودية، الاعتراف بالمحرقة وبأن اليهود ليسوا أعداءنا، حسنا كسب ثقة اليهود وحتى المدنيين الإسرائيليين المغرر بهم، فقد كنا هنا يهودا ومسيحيين ومسلمين سكان هذه الأرض وسنبقى كذلك، وليس بيننا من عدو سوى الاحتلال، وعلينا التوحد لطرده وإنهائه باعتباره عدونا المشترك.


