خبر : حـــوار هـــادئ عــن الـنــصـــر ...بقلم: محمد ياغي

الجمعة 29 أغسطس 2014 10:41 ص / بتوقيت القدس +2GMT





مع نهاية الحرب على غزة يسأل الفلسطينيون أنفسهم: هل حقاً انتصرنا؟ هل تستحق هذه الحرب الثمن الذي دفعناه مقابلها، آلاف الشهداء والجرحى، عشرات وربما مئات الألوف من المشردين الذين دمرت دولة الاحتلال بيوتهم. كيف يمكن للمقاومة أن تعلن النصر وهي لم تتمكن من فرض القبول ببناء الميناء وإعادة إعمار وتشغيل المطار، وفتح ممر بين الضفة وغزة لا يتحكم الفلسطينيون فيه. هذه الأسئلة جميعها مشروعة وجميعها تسكن عقل كل فلسطيني حتى من يحتفل بالنصر ويدافع عنه.
المشكلة في المتسائلين عن النصر أنهم يقومون بعملية حساب تجارية لمعركة تحرر وطني لا تنطبق عليها قوانين السوق. في حسابات السوق يستخدم التاجر والزبون على حد سواء أفضل ما لديهم من معلومات وخبرات لجعل العملية التجارية مجدية لكليهما. كلاهما يُطبق "نظرية الخيار العقلاني" لمضاعفة مرابحه وتقليل خسائره. لذلك عندما يقارن البعض خسائر الفلسطينيين الهائلة بخسائر دولة الاحتلال المحدودة (مثلاً أكثر من 2100 قتيل فلسطيني مقابل 70 إسرائيلياً) يُصاب الفلسطيني بلحظة من انعدام اليقين بجوهر النصر الذي يجري الحديث عنه. هذا الشك يزداد بمشاهد الدمار الشامل الذي خلفتها الحرب وكأن غزة قد ضربت بعدة قنابل نووية دفعة واحدة. ثم يزداد الشك أكثر بالحديث عن النتائج السياسية للحرب ويتساءل البعض: ألم يكن ممكناً القبول بالمبادرة المصرية التي ظهرت في الأسبوع الاول من الحرب وبهذا كان يمكن تجنيب غزة هذا الحجم من الدمار؟.
هذا الطرح يفتقد لحقيقتين: الأولى أن حركات المقاومة لا تقوم بحسابات الربح والخسارة وفق قوانين السوق، ولكن وفق قوانين معارك التحرر الوطني التي تفترض مسبقاً أن إمكانيات العدو أكبر بكثير من إمكانياتها وأن قدرته على التدمير تفوق قدرتها عليه بعشرات المرات، ولكنها تخوض المعركة من باب استنزاف العدو وعلى مدى زمني يراكم خسائره ويعاظم في نفس الوقت من قوتها. الثانية هي أن المقاومة تسعى خلال حروبها لإحداث صدمة وصدع في وعي جمهور دولة الاحتلال تجاه مسألة قبوله باستمرار الاحتلال. مع كل حرب تفشل فيها دولة الاحتلال في تحقيق أهدافها وتخسر فيها جزءاً من هيبتها وقوتها يترسخ هذا الشعور في ذهن شعبها باستحالة الاستمرار في احتلال شعب آخر وبضرورة إنهاء الاحتلال.
هذا بالضبط ما أنجزته المقاومة في غزة في هذه الحرب. لقد أحدثت شرخاً في وعي الجمهور الإسرائيلي باستحالة القضاء على المقاومة في غزة بدون دفع ثمن مرتفع لا تريد ان تدفعه وتشك في أن دفعه سينهي المقاومة. وأقصد بذلك فكرة أن تعود إسرائيل لاحتلال غزة من جديد بما يحمله ذلك من مخاطر فشل وخسائر عالية. الشرخ الذي أحدثته المقاومة في وعي الجمهور الإسرائيلي ليس سببه عشرات القتلى من نخبة ضباطها وجنودها فقط، ولكن في فقدان هذا الجمهور للانسياب الروتيني لحياته اليومية خلال خمسين يوماً من الحرب.
غزة ومقاومتها فرضت على جزء من الإسرائيليين النزوح عن منازلهم، أغلقت جزءاً من مدارسهم، منعت حركة الطيران لفترة من الوقت، حولت حضور مباراة كرة قدم إلى مسألة حياة أو موت.. وحتى من يسكن حيفا وتل أبيب والقدس والمستوطنات لم يشعر بأن حياته بعيدة عن الحرب، وكان أسيراً لها واضطر في أوقات عديدة لأن ينزوي في أحد الملاجئ أو حتى ان يوقف سيارته ويغادرها بحثاً عن مكان آمن. المقاومة أجبرت الإسرائيلي، فرضت عليه، أن يفكر في مسألة حصاره لغزة وفي المسألة الأكبر وهي استمرار الاحتلال. هل يريد ان يعود لحياته اليومية التي يحبها أم يرغب بالتكيف مع واقع جديد ليس مضطراً له، وتفرضه عليه حصار دولته لغزة واستمرار سيطرته على شعب آخر.
هنا بالضبط جوهر انتصار المقاومة. قدرتها على إحداث تغير في وعي شعب دولة الاحتلال باستحالة الاستمرار في احتلاله لشعب آخر. هذا لا يعني بأنهم أصبحوا جاهزين للتسليم بضرورة الانسحاب من الضفة والقدس ورفع الحصار كلياً عن غزة، ولكنهم اليوم أقرب إليه من أي وقت مضى. وسيتعزز ذلك مع الوقت ومع كل مغامرة جديدة يخوضها جيش دولة الاحتلال مع المقاومة لأن الأخيرة تتعلم من حروبها وتراكم خبراتها وتزيد من قدراتها بما لا يمكن المعتدي من تحقيق نصر وبما يلحق به من خسائر.. وربما من تحقيق نصر عليه لا يختلف حول تعريفه اثنان. هذا الشرخ في وعي شعب دولة الاحتلال سيتسع تدريجياً وسيصل في النهاية الى حقيقة يتيمة: أن عودة الإسرائيليين لحياتهم الروتينية الطبيعية مرتبطة بإنهائهم لاحتلال الضفة والقدس ورفع الحصار كاملاً عن غزة بما يمكن الشعب الفلسطيني من بناء دولته والسيادة المطلقة عليها.
هي مسألة وقت واستعداد من قبل الشعب المُحتَل للذهاب في طريق المقاومة وهو كما يبدو الطريق الذي اختارته المقاومة في غزة. ربما علينا أن نلاحظ أيضاً أن "المقاومة" قد تعلمت من أخطائها سابقاً وأنها لم تذهب الى خيار "العمليات الانتحارية" التي تصنع تلاحماً بين شعب دولة الاحتلال وبين قيادته بدلاً من أن تحدث شرخاً في وعيه وهي نقطة تسجل للمقاومة خصوصاً وأنها امتلكت الفرصة للقيام بذلك خلال الحرب ولكنها لم تفعل.
للراغبين في رؤية "النصر" بمعايير الربح والخسارة وفق جداول الحسابات التجارية نذكرهم فقط بأن جميع حركات المقاومة ما كان بإمكانها أن تنطلق أو تنهي احتلالاً لو فكرت في ذلك. أهم ما أنجزته حركة "فتح" وفصائل المقاومة التي انطلقت في ستينيات القرن الماضي من خلال معاركها المسلحة، ليس تحرير القدس ولكن تكريس هوية للشعب الفلسطيني. هل يمكننا القول إن هذا الإنجاز لا يستحق عشرات الآلاف من الضحايا ومئات الآلاف من المشردين. بمقاييس "التجارة" سنجد من يقول ذلك. بمقاييس معارك التحرر الوطني، تكريس هوية للشعب الفلسطيني جعلته أقرب الى تحقيق أهدافه.
حتى بالمقاييس الآنية، فإن المقاومة انتصرت. الحرب لم تنته بقرار من دولة الاحتلال كما كان يحدث دائماً، بل بقرار من المقاومة وبعد أن تمكنت من إدخال تعديلات على المبادرة المصرية حققت فيها جزءاً من مطالبها برفع الحصار في حين أن النص الأصلي للمبادرة كان "وقفاً للأعمال العدائية" يتبعه مفاوضات على القضايا التي يريدها الطرفان. المقاومة فرضت قوة ردع جديدة ولن يكون بإمكان إسرائيل بعد اليوم استسهال حربها على غزة. هنالك أيضاً مسألة الأسرى التي أصبح تحرير جزء مهم منهم ممكناً بسبب وقوع أسرى أو قتلى لجنود إسرائيليين في أيدي المقاومة. أيضاً الحرب وحدت الشعب الفلسطيني في كل مكان وأعادت للقضية الفلسطينية مكانتها السياسية ومركزيتها. والمقاومة أيضاً في هذه الحرب وفرت فرصة للسلطة الفلسطينية للحديث صراحة أن ظهرها ليس مكشوفاً كما تعتقد دولة الاحتلال وأن بإمكانها الاعتماد على مقاومة شعبها وهو ما يجب أن يصلب من مواقفها ويعطيها عدداً أكبر من الخيارات لأنها في نهاية المطاف ليست أسيرة للمفاوضات ولا يجب أن تكون.