خبر : صدقوا الشعب ...طلال عوكل

الخميس 28 أغسطس 2014 01:56 م / بتوقيت القدس +2GMT
صدقوا الشعب ...طلال عوكل



حقيقة مشاهد الاحتفال بالانتصار، وتعبر عن حالة فوق شعورية، بالرغم من كثافة وعمق المشاعر الإنسانية التي تقف على ركام هائل من البيوت السكنية والمؤسسات المدمرة، وعلى آلاف الشهداء والجرحى ومئات آلاف المشردين، الذين يفترشون الأرض.
بغض النظر عما يقوله الساسة والزعماء والمحللون عن النتائج التي تمخضت عنها، عملية المجابهة المدهشة، القوية، التي جرت في مواجهة آلة عسكرية مدمرة، بشعة، ظالمة، عدوانية، إرهابية، أرادت قهر الفلسطينيين، وإبقاءهم يتوجعون في ظل حصار رهيب.
هؤلاء سيخوضون في متاهات وفلسفات التوصيف كما يفعلون في كل مرة، إزاء أحداث كبيرة، وبعضهم أو من ظاهره جلد النفس، والاحتكام دائماً إلى الصورة النمطية، التي يظهر فيها العربي مهزوماً، عاجزاً وغير مبدع، ويظهر فيها المحتل الإسرائيلي، وكأنه صاحب القوة التي لا تقهر.
الشعب، وهو البطل الحقيقي، هو الذي قرر قبل الجميع، أنه انتصر في هذه المجابهة التي تختلف عن كل المجابهات التي وقعت خلال الأعوام السابقة. الشعب في غزة، وفي الضفة، وفي أماكن الشتات والمهاجر، حتى في مخيم اليرموك، المحاصر، خرج إلى الشوارع بكثافة بمجرد أن دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. خرج الناس إلى الشوارع، وكانوا سيخرجون، بدون دعوة من أحد، وبدون انتظار، لكي يعلنوا من فوق الركام الضخم، أنهم حققوا الانتصار على آلة الظلم والعدوان.
ليس لأحد أن يتجاوز على قرار الشعب، الذي يتمتع بحسّ مرهف، ووعي طبيعي، اكتسبه خلال مرحلة طويلة من الصراع مع الاحتلال، وتعلّمه عبر شلالات من الدماء، والعرق والدموع، وحياة مليئة بتفاصيل عذاب مرير. الشعب لا يكذب ولا يعرف النفاق، ولا يجيد لغة الكلام وأساليب اللف والدوران، ولا لغة الادعاءات، والشعارات غير الواقعية. وحده هذا الشعب في مختلف أماكن تواجده داخل الوطن وخارجه، كالغطاس وحده في الميدان، ووحدة المفاوض والموقف، هذه الوحدة، التي تجلت بأبهى صورها، خلال فترة العدوان الطويل على قطاع غزة. كانت العنوان الأول والشاهد الأول، والمؤشر الأول، على الانتصار الفلسطيني.
كان الناس في قطاع غزة، يتابعون المفاوضات، والحراك السياسي الجاري منذ الأيام الأولى للعدوان، وأيديهم على قلوبهم من أن تنجح إسرائيل في زرع الفتنة في صفوف الفصائل، وفي الوفد الوطني الموحد، فإن الخوف على انقسام الوفد يفوق الخوف الإنساني الطبيعي من الموت الذي يتجول في كل مكان من القطاع، الذي لم يعد فيه مكان آمن بما في ذلك المستشفيات والمدارس، وبيوت العبادة الإسلامية والمسيحية. الخوف على وحدة الوفد والموقف، لم يكن مصدره إسرائيل فقط، التي كانت مستعدة، لأن توافق على الطلبات الفلسطينية، ولكن لوفد فصائلي، وليس لوفد يكرس المصالحة الفلسطينية، فلقد تدخلت عوامل أخرى، إقليمية، وأهواء فئوية، لكنها لم تنجح في تبديد هذا الإنجاز. نرجوكم أن تتركوا إلى حين النقاش والجدل بشأن أي الخيارات أفضل في مواجهة الاحتلال، ولتحقيق الحقوق الوطنية الفلسطينية فثمة متسع لذلك، والنقاش ينبغي أن يكون واحداً من أهم مخرجات التوافق الوطني الفلسطيني الجامع، الذي عليه أن ينتج استراتيجية وطنية جديدة.
في المشهد تكاملت المقاومة، مع السياسة بكل عناوينها ومسمياتها وتفرعاتها ومع التلاحم الشعبي العارم والعميق. كان للميدان الدور الأساسي الحاسم في تحقيق وحدة الشعب، ولكن هذه الوحدة هي الأساس وهي القلعة التي جعلت الانتصار ممكناً، وهي التي كافأت جودة العمل الميداني. في وقائع وأحداث كثيرة، أفسدت السياسة، وأفسد الانقسام الأداء الجيد للمقاومين والمقاتلين، ولكن بالرغم من بعض الأخطاء في الأداء السياسي هذه المرة، إلاّ أن المحصلة جاءت منسجمة مع حالة التكامل القوي بين كافة العوامل التي صنعت الصمود والنصر.
النصر أو الهزيمة، لا يتقرران من خلال اعترافات المتحاربين، ففي كثير من الجولات، كان ادعاء تحقيق الانتصار، يغشي الأبصار، ويسمم الإفطار ويقود إلى سلوكيات خاطئة، وتقديرات غير موضوعية، وأخطاء في العمل السياسي. إسرائيل لن تعترف بالهزيمة، وليس ضرورياً أن تفعل ذلك صراحة، حتى، يتحقق الفلسطيني من أنه فاز بالانتصار.
فشلت إسرائيل فشلاً ذريعاً، في تحقيق كل أهدافها، المعلنة وغير المعلنة، فهي لم تحقق منها شيئاً، ولم تعد تملك ما يعينها على الادعاء، بتفوقها وقوتها، وجيشها الذي لا يقهر، ولا تملك ما يعينها على الادعاء بأنها محصّنة، وتملك قدرة ردع، لا رادّ لها.
انتصر الدم الفلسطيني على السيف الظالم الإسرائيلي، فلقد اضطرت إسرائيل إلى الخضوع أمام الإصرار الفلسطيني على أن يتزامن وقف إطلاق النار مع فتح المعابر، ورفع الحصار. لقد حاولت أن تفرض معادلتها، بأن يتم التفاوض بعد أن يتوقف إطلاق النار تماماً، ولتحقيق ذلك، قامت بتصعيد عدوانها على نحو خطير جداً، حين استهدفت اغتيال القادة والكوادر، وبعدها الأبراج السكنية. فشلت مرة أخرى واضطر نتنياهو لأن يتجاوز، حكومته، ومجلسه الوزاري الأمني المصغر، ليتخذ قرار الموافقة على الاتفاق وحده. هو حاول أن ينقذ ما يمكن إنقاذه في إسرائيل، حتى لو أن ذلك سيؤدي إلى دفع حياته السياسية ودوره كثمن لذلك. في فلسطين نحن نفتح صفحة إعادة البناء والإعمار، لغزة الجديدة، وللوحدة الجديدة، وللسياسة الجديدة، أما في إسرائيل فإنهم دخلوا مرحلة التحقيقات، والمحاكمات، والمحاسبة ومرحلة التفكك السياسي والنفسي، ما يجعلهم في موقف دفاعي صعب، يتطلب من الفلسطينيين أن يواصلوا تشديد هجومهم بالسياسة.

طلال عوكل