التدمير الشامل والإبادة الجماعية والقتل العشوائي، هي إحدى مراحل الحرب الإسرائيلية الثالثة على قطاع غزة والتي اتسمت باستهداف الأبراج العالية، كثيفة السكان والإشغالات والمحلات التجارية، ولا شك أن وصول الاحتلال إلى هذه المرحلة الهمجية يتعلق بالحسابات التي تسبق أي عملية تفاوضية بشأن مباحثات القاهرة، الانتقال من عض الأصابع إلى قضمها والتهامها، لتحسين شروط التفاوض ولإخضاع الجانب الفلسطيني لشروطه، خاصة بعد أن لاحظ الاحتلال، أن الجانب الفلسطيني عاد من الناحية العملية لاستلهام المبادرة المصرية سبيلاً لوقف العدوان، الأمر الذي اعتبره الاحتلال تراجعاً تحت الضغط، إذ ان الورقة الفلسطينية التي يتم تسليمها للجانب الإسرائيلي عبر الوسيط المصري، تعبر عن مضمون المبادرة المصرية تماماً: وقف إطلاق النار، فتح المعابر، وزيادة مساحة السماح للصيد البحري، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب في قطاع غزة، وعموماً، الالتزام بما جاء في اتفاق الهدنة عام 2012 وهو ما جاء حرفياً بالمبادرة المصرية.. لذلك يبدو السؤال: لماذا لم نوافق على المبادرة المصرية عندما طرحت في بداية هذه الحرب المجنونة، سؤال مشروع رغم كل الإبداعات التي تدفقت عبر المقاومة في المواجهة مع الاحتلال وقواته، ورغم كل الصمود الأسطوري لشعب بطل أبى إلاّ أن يمارس حقه المشروع في مقاومة الاحتلال من أجل تحرير الأرض والإنسان، سؤال مشروع إلاّ إذا كنا نراهن على أن الاحتلال لديه خطوط حمراء والتزام بأخلاقيات الحرب، تجربتنا مع هذا الاحتلال ما كان يجب أن تخدع بإمكانية التزامه بكل ذلك، والدليل على الأرض في قطاع غزة.
هذا الطور الجديد من الحرب الإسرائيلية الثالثة على قطاع غزة، تدمير الأبراج لم يصل إلى هذا الحد من الفظاعة والهمجية، فقط لحسابات المباحثات في القاهرة، رغم أهمية هذا العامل، لكنه أيضاً يعكس حقيقة أن قطاع غزة، لا يدفع فقط ثمن حسابات الميدان العسكري، بل ان الميدان السياسي المتأزم في القيادة الإسرائيلية، يعكس نفسه دماراً وقتلاً في قطاع غزة، رأينا ذلك، عندما استغل نتنياهو رفض المقاومة للمبادرة المصرية، للقيام بحربه البرية، مع أن ضغوط المنافسين السياسيين، خاصة كل من ليبرمان وبينيت، كانت في الحقيقة وراء تورطه في هذه الحرب التي اضطر إلى إنهائها من دون أن يحقق أهدافه بفضل إبداعات وصمود المقاومة.
أما "حرب الأبراج" التي نشهدها الآن في قطاع غزة، فهي أيضاً تعود في نسبة لا بأس بها، إلى عوامل إسرائيلية داخلية، تتعلق هذه المرة برئيس أركان الجيش الإسرائيلي بيني غينتس شخصياً، تكاد تكون "حرب الأبراج" هذه، حرباً شخصية بامتياز لحساب غينتس، فقبل حرب الأبراج التي يشنها الطيران الإسرائيلي في عموم قطاع غزة، توسعت دائرة الاتهامات ضد رئيس أركان جيش الاحتلال، بعض وزراء حكومة نتنياهو اتهموه علناً، بأنه ليس معنياً بإخضاع حماس، بقدر ما يرغب بنهاية سريعة للعملية العسكرية بأي ثمن.. ضابط سابق كبير، له تجربة عملية مع رئيس الأركان قال حرفياً: "غينتس متردد وجبان، يعاني من مشاكل مهنية خطيرة، رمادي متوسط الأداء، يفتقر إلى روح المبادرة والإبداع، عاجز عن الأداء تحت الضغط".
بعد انسحاب القوات البرية الإسرائيلية عن تخوم قطاع غزة، اعتبر غينتس أن هذا الانسحاب بعدما حققت قواته أهدافها، خاصة تأمين الأمن لمستوطنات جنوب إسرائيل، ولتأكيد ذلك دعا سكان هذه البلدات الجنوبية للعودة إلى بيوتهم وانتظار تفتح شقائق النعمان في الشتاء القادم.
وباختصار، أصبح رئيس الأركان، مجالاً لتشويه سمعته الشخصية والعسكرية تحديداً، وما كان بإمكانه الرد على كل هذه الاتهامات التي تنال منه، سوى عن طريق الانتقام في قطاع غزة، وحيث لم تعد هناك أهداف في بنك قوات الاحتلال، فإن تدمير الأبراج السكنية، وزيادة طلعات قواته الجوية لضرب كل ما يدب ولا يدب على أرض القطاع، هدف ينبغي تدميره، انها هيبة رئيس الأركان على المحك، وقد أثبت أن لديه الكثير كي يرد على منتقديه من خلال هذا الجنون الذي نشهده حالياً في قطاع غزة من خلال أدوات الدمار الشامل وحرب الإبادة.
غير أن "حرب الأبراج" الخاصة برئيس الأركان، لن تحدّ من الهجوم عليه، خاصة وأن سكان بلدات الجنوب بدأت بالهروب، أكثر من 700 عائلة هربت إلى الشمال، مدارس الجنوب لن تفتح أبوابها في الموعد المحدد لبدء العام الدراسي، والأهم أن شقائق النعمان لن تتفتح، لا في الشتاء القادم، ولا بأي فصل من الفصول، ذلك أن سكان هذه البلدات، وبعد هذه الحرب، فإن ما جرى خلالها، سيظل دوماً مجالاً للقلق وانعدام الثقة بقدرة جيش الاحتلال على تأمين حياتهم، فالحرب قد تضع أوزارها، غير أن نتائجها الكارثية، ستشكل عناوين لحروب من نوع آخر، تفرض نفسها على كل أشكال الحياة، بما فيها "شقائق النعمان"!!
Hanihabib272@hotmail.com


