من يتابع الحوار الداخلي الإسرائيلي لا يجد صعوبة في معرفة حجم الارتباك والتخبط الأمني الذي تحول إلى تخبط وارتباك سياسي، كان عنوان التخبط الأمني هو الانتقال من سياسة الحرب الخاطفة والحاسمة إلى إطالة أمد المعركة والدخول في حرب استنزاف والقول إن هذا النوع من الحرب لمصلحة إسرائيل في النهاية غير المحددة بزمن.
في البدء، كان الهدف الإسرائيلي المعلن تدمير الصواريخ ومنصاتها وحسم المعركة من الجو، وتحول إلى هدف ثان دون أن ينجز الهدف الأول وهو تدمير الأنفاق التي تفتح على المواقع المدنية والعسكرية الإسرائيلية باستخدام قوات النخبة والحرب البرية، وانتقلت قيادة الحرب إلى هدف ثالث هو اغتيال القيادات العسكرية والسياسية لحركات المقاومة الذي اقترن بتدمير بنايات وأبراج وشقق على رؤوس ساكنيها من العائلات والأطفال، ثم انتقلت قيادة الحرب إلى هدف جديد هو تدمير وإبعاد مدافع الهاون التي ألحقت بالإسرائيليين خسائر كبيرة.
الانتقال من هدف إلى آخر ومن سلاح إلى آخر كل هذا لم يحقق الهدف المركزي الإسرائيلي وهو استعادة قوة الردع لمدى زمني قريب أو متوسط، وكل هذا يعكس فقدان المستوى العسكري لاستراتيجية محددة السقف والأهداف القابلة للتطبيق الميداني.
بعد 50 يوما من العدوان بدت حكومة نتنياهو التي تقود أقوى رابع جيش في العالم عاجزة عن فرض وقف قذائف وصواريخ المقاومة المحاصرة ومحدودة التسليح، بل لقد أعلنت الحكومة تأييدها لهجرة الإسرائيليين القاطنين على حدود غزة إلى أماكن أكثر أمنا والذين قدرت نسبتهم بـ 70% من مجموع سكان تلك المنطقة، واعتبر بعض الإسرائيليين أن هذه الخطوة ألحقت ضررا معنويا هائلا في صفوف الإسرائيليين واتهمت القيادة العسكرية من قبل وزراء في الحكومة المصغرة "بتعظيم الإنجازات" التي حققتها و"بتضخيم المخاطر" لتبرر تقاعسها في الذهاب إلى الحسم العسكري داخل قطاع غزة.
حكومة نتنياهو لم تعط أي شيء عبر التفاوض وكان موقفها العدمي حافزا للبحث عن خيارات أخرى فكانت المقاومة وتعاملت مع المقاومة بعدمية مثيلة، عدمية على طاولة المفاوضات وعدمية على ارض المعركة، العدمية مع المقاومة جاءت بصيغة المضي في تطبيق عقيدة الضاحية 2006 التي تعني تدمير المراكز والأحياء والبلدات التي تنطلق منها القذائف والصواريخ، وإغلاق المعابر ومنع تزويد القطاع بالمواد التموينية والطبية والكهرباء والماء وكل شيء، هذا ما يدعو إليه أقطاب في الحكومة واليمين العنصري الفاشي، ما يعنيه من الدوس على القانون الدولي الإنساني وإزالة الحماية التي يتمتع بها المدنيون الفلسطينيون غير المقاتلين أثناء الحرب. الهدف هو انتصار عسكري حاسم بمعزل عن الخسائر الضخمة في صفوف المدنيين العزل، هل تمضي حكومة نتنياهو بهذا الخيار إلى نهاياته، مستفيدة من صمت النظام الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة؟
50 يوما من العدوان الوحشي كانت النسبة الأعظم من ضحاياه مدنيين، ولم يتحرك النظام بشكل جدي لحماية المدنيين فضلا عن وقف العدوان، 50 يوما ظلت حكومة نتنياهو حرة في قتل اكثر من 500 طفل وما يقارب من الـ 300 من النساء واكثر من 800 مدني آخر، 50 يوما ظلت حكومة نتنياهو حرة في تشريد نصف مليون مواطن ومواطنة داخل القطاع يعيشون في شروط غير إنسانية، فماذا بعد؟ ليس من الصعب توقع ما هو آت في ظل موت الضمير الإنساني للكبار وموت العدالة وسيادة معايير غطرسة القوة، إن العدوان مرشح للاستمرار والتصاعد، ومع وجود مثل هذا الاحتمال، مع الاصطدام بعدميتين إسرائيليتين، فإن الحركة السياسية الفلسطينية تصبح أمام مسؤولية حماية الشعب المهدد بنوع جديد من التطهير العرقي، وأمام مسؤولية مواصلة النضال ضمن مسار جديد انطلاقا من أهداف مشتركة، وحسم موضوع الأجندات الفئوية الخاصة والأجندات الإقليمية التي تستخدم الورقة الفلسطينية.
إن عدم تحقيق إسرائيل من العدوان طوال المدة السابقة شيئا مهما لكنه لا يكفي للقول ان المقاومة انتصرت لطالما كان ثمن ذلك صناعة نكبة جديدة في قطاع غزة، وبالمثل فإن عدم الالتزام بالإملاءات الإسرائيلية في المفاوضات لا يكفي طالما استمر الاحتلال والاستيطان والتهويد والفصل العنصري، لا يكفي دخول دولة الاحتلال في مأزق طالما نحن نعيش مأزقا من نوع آخر، وما يهم هو البحث عن سبل الخروج من مأزقنا، إن ذلك يتطلب:
• تحويل المطالب الفلسطينية الجزئية الخاصة بإنهاء الحصار عن قطاع غزة إلى مطالب لإنهاء الاحتلال وربط القطاع بالضفة الغربية، وتحويل تلك المطالب إلى برنامج وطني فلسطيني تلتزم به كافة القوى.
• الانتقال من صيغة القرار الفردي (الفصائلي) بالحرب وبالتهدئة وبالمفاوضات إلى قرار جماعي بالأكثرية وبما ينسجم مع المصلحة الوطنية العليا للشعب.
• إعادة بناء المؤسسة الفلسطينية (المنظمة والسلطة) على أسس وقواعد ديمقراطية وفي مركزها احترام حقوق الإنسان الفلسطيني وتضمن تمثيل جميع مكونات الشعب الفلسطيني، وتلتزم بالتبادل السلمي للسلطة وللاتجاه المركزي في منظمة التحرير، وتلتزم بقواعد النظام الفلسطيني (المنظمة) الذي ينطلق من القانون الدولي والمعاهدات والاتفاقات الدولية، وتلتزم بالتعدد الديني والثقافي والسياسي وبالحريات العامة والفردية وبحقوق الأقلية.
• طلب العضوية في مؤسسات الأمم المتحدة وبخاصة المحكمة الدولية للجنايات وإعداد ملفات جرائم الحرب والاستيطان والتهويد والقدس.
• إعادة النظر بكل التنازلات لدولة الاحتلال من طرف واحد، والالتزام بقرارات الشرعية الدولية بأثر رجعي بعيدا عن سياسة الأمر الواقع.
• خلق أجواء من الثقة تساعد على إنجاح الوحدة، وفي مقدمة ذلك تشكيل لجنة تحقيق للتوقف عند الاعتداءات التي مورست بحق كوادر وأعضاء من حركة فتح والتي وصلت إلى حد إطلاق النار على ارجل البعض وتكسير البعض الآخر بالضرب المبرح أثناء العدوان الإسرائيلي.
• وقف معاقبة المتهمين بالتعامل مع العدو بالقتل خارج القانون وبدون محاكمات، وإخضاعهم لمحاكمات يشرف عليها قانونيون وجهات اختصاص ومرجعية سياسية عليا.
Mohanned_t@yahoo.com


