ء
تحوّل نوعي في طبيعة الاستهداف الإسرائيلي، شهدته المرحلة التالية من الحرب الإسرائيلية المسعورة على قطاع غزة، والتي بدأت منذ يوم الخميس الماضي، أي بعد انهيار الهدنة الإنسانية، التي كان الجانبان قد توافقا عليها عبر ثلاث حلقات، استمرت بمجموعها لمدة عشرة أيام ـ تقريبا، بين الحرب الجوية والبرية التي دامت مدة شهر، وبين ما نشهده من اشتباك جوي، يتمثل في قصف صاروخي من الجانب الفلسطيني، مقابل القصف الجوي الذي تشنه الطائرات الإسرائيلية بشكل يومي.
ولقد تمثل التحول النوعي، الذي أشرنا إليه أعلاه، بشكلين: الأول، كان في استهداف قادة "حماس" الميدانيين ومن الصف الأول، والثاني، تمثل برفع مستوى التدمير والتشريد للعائلات الفلسطينية، بقصف الأبراج السكنية والمراكز التجارية.
لقد أوضح الطرفان المتحاربان، منذ تم تعليق أو انهيار جهود التهدئة، مساء الأربعاء الماضي، إستراتيجيتهما اللاحقة، فـ"حماس" من جهتها قالت إنها ستشن حرب استنزاف على إسرائيل، والمقصود بذلك ـ بالطبع، الاستمرار في إطلاق الصواريخ، وإن بشكل متقطع، أو دون أن يتم الأمر بشكل كثيف، بهدف وضع إسرائيل في حالة استنفار دائم، من خلال إدخال مواطنيها للملاجئ، وتعطيل حياتهم الاقتصادية، كذلك من خلال التشويش على المرافق الحيوية الإسرائيلية، خاصة في مطار بن غوريون، فيما كانت إسرائيل تهدد باستهداف قادة "حماس" العسكريين والسياسيين، بالتصفية، وفي الوقت ذاته، التوجه لمجلس الأمن، لفرض وقف النار.
يمكن القول ـ الآن ـ وبعد مرور أكثر من شهر ونصف الشهر، على تلك الحرب، إن إسرائيل ألحقت خسائر بشرية كبيرة بالجانب الفلسطيني، كذلك ألحقت دمارا هائلا في اقتصاده وبنيته التحتية، وبيوت الناس، حيث بات اكثر من ثلث سكان قطاع غزة بلا مأوى، كذلك، يمكنها القول أو الادعاء إنها قد استنفدت معظم ما لدى غزة من معدات عسكرية، فقد "خسرت" "حماس" في هذه الحرب معظم أنفاقها الهجومية التي أعدتها لمواجهة الجيش الإسرائيلي في الحرب البرية، حيث تقول إسرائيل إنها دمرت نحو 32 نفقا، كذلك أطلقت معظم قوتها الصاروخية، والتي ليس من السهل أبدا عليها تعويضها، خاصة في ظل اتفاق سياسي لاحق، لا تكون بعده غزة محكومة فقط بالسلطة الوطنية، ولكن بمراقبة دولية وإقليمية بحيث يكون من المستحيل تهريب الأسلحة أو وضع اليد على بعض مواد الإعمار بهدف التصنيع العسكري.
فيما خسرت إسرائيل 64 عسكريا في الحرب البرية، إضافة لأربعة مواطنين، كذلك خسرت في الجانب الاقتصادي، وأكبر خسارة كانت لإسرائيل، صورتها في الخارج، والتي أعادت لها حقيقتها، كدولة مارقة تمارس إرهاب الدولة وترتكب جرائم حرب بحق الأطفال والنساء، والأهم هو توفر "مادة" الإدانة التي يمكن أن تجر قادة إسرائيل للمحاكم الدولية.
ربما كان التوصل لاتفاق يرضي "غرور" إسرائيل و"حماس" اللتين تدعيان الانتصار، مستحيلا، وهذا عمليا ما يحول دون تقدم المبادرة المصرية على الأرض، خاصة وهي تقابل بالقبول الفلسطيني الرسمي والشعبي، كذلك توافق عليه القوى العسكرية في الميدان، ومنها "الجهاد الإسلامي"، باستثناء "حماس"، لذا فإنه، مع الوقت قد يتوافق الطرفان على "توقف" للنار بشكل تدريجي ودون إعلان عن شيء.
وفي كل الأحوال، وحتى لو تم الاتفاق على الإطار العام للمبادرة المصرية، فإن الحلول في غزة ستأخذ شهورا على اقل تقدير، وحيث إن مطالب "حماس" بالتحديد، ممكنة التحقيق من خلال تنفيذ المصالحة الداخلية، حيث مجرد نشر قوات الرئاسة الفلسطينية على الحدود الجنوبية، الشرقية والشمالية لقطاع غزة، سيكون من شأنه فتح المعابر كافة وبذا ينتهي الحصار، فإن أهم مطلب لـ"حماس"، هو الميناء، والذي يبدو أن إسرائيل قد وضعت أمامه "فيتو" كبيرا، والسبب برأينا، أن "حماس" ما زالت تفكر بإمكانية أن تكرر حالة "حزب الله" في لبنان، وحيث إن الاتصال بإيران بات شبه مستحيل من خلال سيناء، فإن البحر ـ والميناء ـ صار خيارها للاتصال بحلفائها في الخارج، ومن خلال وجود سلطة ضعيفة في غزة، تشبه الحكومة اللبنانية، فإن قوة "حماس" يمكن ألا تضمن لها السيطرة الميدانية على قطاع غزة، فقط، ولكن يمكن أن يجعل منها بيدقا مهما في الصراع الإقليمي، والذي به ومن خلاله تضمن تدفق المساعدات الخارجية.
الجميع يعرف، وأولهم إسرائيل أن غزة في طريقها للعودة الفعلية للسلطة الفلسطينية، وحيث ان كل ما يهم إسرائيل هو الأمن، فإنها بعد تقليم أظافر "حماس" والقوى الأخرى في غزة، أي بعد تدمير الأنفاق ومعظم القوة الصاروخية، لا تحتاج سوى أن تضمن عدم قدرة "حماس" على إعادة ترميم قوتها الهجومية، وذلك من خلال قطع الطريق على الميناء أو وضعه تحت الرقابة، كذلك مراقبة مواد الإعمار، لذا فإنها تريد أن تستلم السلطة غزة، وهي عبارة عن ركام، لذلك فهي تثقل كاهل غزة بالدمار الشامل والقتل الجماعي، حتى تغرق فيها السلطة وتحتاج سنوات طويلة لإعادة إعمارها، أما السلطة فإنها ترفع من سقف المطالب الوطنية، وتحاول أن تجعل من التضحيات الجسيمة سببا في إنهاء الاحتلال، وتحرير ليس غزة فقط ولكن الضفة والقدس، وإقامة الدولة المستقلة. لذا فقد تشهد الأيام القادمة صفقة إطلاق مفاوضات إنهاء الاحتلال التي يطالب بها أبو مازن، مقابل التوقف عن متابعة إعداد ملف تقديم قادة إسرائيل لمحكمة الجنايات الدولية!.
Rajab22@hotmail.com


