خبر : كشف حساب أولي ...طلال عوكل

الإثنين 25 أغسطس 2014 10:21 ص / بتوقيت القدس +2GMT
كشف حساب أولي ...طلال عوكل



في تقييم نتائج العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، وقبله على الضفة الغربية لا بد من ملاحظة، أن فصول هذا العدوان، ويومياته، ومخرجاته، وكل ما جرى في الميدان، وفي الحقل السياسي، كل ذلك، يشير إلى أن المسألة تندرج في إطار المعارك، أو المجابهات التكتيكية، نقصد أن من يذهبون إلى الحديث عن الانتصار والهزيمة، عليهم أن يأخذوا بعين الاعتبار أن هذه المعركة ليست معركة كسر العظم، هي ليست المعركة الفاصلة، أو معركة التحرير، وإنما هي فصل من فصول الصراع المديد مع الاحتلال.

كونها معركة تكتيكية، لا يقلل من أهمية نتائجها، ولا من آثارها على مجريات الصراع، ولا يقلل أيضاً من كونها تفتح أفقاً، نحو تعزيز النضال من أجل تحقيق جزء مهم من أهداف الشعب الفلسطيني وهو رحيل الاحتلال.
لم يكن في وارد القيادات السياسية والأمنية الإسرائيلية، أن تطول هذه المعركة، لتصل إلى مشارف شهرها الثاني، فلقد تعودت إسرائيل على خوض معارك خاطفة، تستخدم فيها قوة هائلة لتنزل الهزيمة في الطرف الآخر، وتحقق الأهداف الموضوعة.
تستطيع إسرائيل المداومة على القصف والتدمير، وقتل المزيد من المواطنين الأبرياء، وأن تضخم قائمة الشهود والشواهد، على ارتكابها المزيد من جرائم الحرب، وان تراكم المزيد من العزلة والكراهية، انسجاماً مع طبيعتها التي تأسست عليها، وداومت على تأكيدها منذ ما قبل قيامها العام 1948، تستطيع أن تفعل ذلك، وأن تجد ممن صنعوها، الدعم والحماية طالما أنها تقدم لهم ولمصالحهم خدمات استراتيجية في هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم.
غير أن استمرار هذا السلوك الإرهابي، الذي يكرس وجود دولة خارجة عن القانون، ومارقة على الحضارة الإنسانية، لا بد أن يجعلها في وقت ما، عبئاً على من صنعوها، بحيث لا يعودون يتحملون الأعباء الأخلاقية والسياسية والاقتصادية، التي صنعوها من أجلها.
قد يقول قائل وماذا فعل العالم، إزاء الملف الإسرائيلي الطافح بالمجازر، وبجرائم الحرب، من استيطان، وتشريد، وعقاب جماعي وقتل بالجملة خارج القانون، ثم ماذا فعل العالم بتقرير غولدستون وتقارير المنظمات الحقوقية الدولية؟ أصحاب هذه التساؤلات عليهم أن يدركوا أن الصراع مع احتلال من هذا النوع، لا يمكن حسمه مرة واحدة، في معركة واحدة، فبما أنه صراع طويل، فإن كل هذه التقارير وما تتضمنه من وقائع وقرائن، لا تذهب سدى، وسيأتي اليوم الذي ستدفع فيه إسرائيل وقادتها إلى محاكم دولية تاريخية.
تأخرت القيادة الفلسطينية في اتخاذ قرارها، بالانضمام إلى معاهدة روما وقد تتأخر مرة أخرى، في الانضمام فعلياً، وحتى إن فعلت ذلك فإنها قد تتأخر لسبب أو آخر، في تقديم ملفاتها وشكاواها، إلى محكمة الجنايات الدولية.
ولكن قبل ذلك، كان لا بد من أن تتأكد القيادة الفلسطينية من أن قرارها بالانضمام إلى معاهدة روما، هو قرار وطني فلسطيني جماعي، حتى لا يسجل عليها البعض أن اتخاذها مثل هذا القرار، يذهب إلى المناكفات والصراعات الداخلية.
كان من الضروري أن تحصل القيادة الفلسطينية على موافقة إجماعية من الفصائل، خصوصاً حركات المقاومة، التي قد تتضرر أو يتضرر بعض منتسبيها أو قياداتها في حال جرى تفعيل قرار الانضمام إلى معاهدة روما. لدينا ملفات موثقة وطافحة بشواهد أكيدة على ارتكاب إسرائيل جرائم حرب، وجرائم ضد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وهذه لا تنتهي بالتقادم، ولكن لدى الإسرائيليين أيضاً ما يقولونه ويفعلونه سواء من باب الدفاع عن النفس أو من باب اتهام الفلسطينيين.
في موافقة الفصائل على قرار الانضمام لمعاهدة روما، ثمة حكمة واضحة، فإذا كان هذا المساق وسياقاته، ستزج بعدد من الفلسطينيين إلى المحاكم الدولية، فإن مثل هذا الثمن لا يقارن أبداً مع الثمن الذي ينتظر أن تدفعه إسرائيل وقياداتها، فهذه معركة أيضاً، لكل طرف فيها ما له وما عليه.
وفي المقابل، استعدت المقاومة، للتعامل مع معركة طويلة، لا يرغبها الاحتلال، وحققت من خلالها مفاجآت لم يكن العدو المحتل قد أخذها بالحسبان.
إسرائيل اعتقدت، أنها ستحسم هذه المعركة بسرعة، واعتمدت على تضخيم تكلفة العدوان على الفلسطينيين، بالقدر الذي يضغط بشدة على المقاومة، وعلى كل الحالة الفلسطينية حتى تسلم بالنتائج التي يريدها الاحتلال، وقد خاب ظنه.
في الفصل الثاني من العدوان، الذي جاء بعد فشل المفاوضات في القاهرة، أرادت إسرائيل، أن تستدرك مخرجات الميدان التي لم تكن في صالحها خلال المرحلة الأولى من العدوان، لتحقق نصراً، يعود به نتنياهو إلى مجتمعه الداخلي، بهدف استعادة التوازن والسيطرة، وبهدف تقليص المطالب الفلسطينية، لكنه في الحقيقة، زاد الطين بلة، لم يخضع الفلسطينيون، وداوموا على الرد، لكن الخلافات والأزمات داخل إسرائيل تفاقمت وازدادت حدة، إلى الحد الذي يهدد باستمرار الائتلاف الحكومي، ويثير في الشارع الإسرائيلي المزيد من الاحتجاجات والتمرد.
العالم لم يعد يحتمل استمرار هذا العدوان البشع، وهو يتحضر لاتخاذ قرار ملزم من قبل مجلس الأمن الدولي، والقاهرة تعاود نشاطها من أجل وضع حد للعدوان ونزيف الدم.
ولذلك لم يعد لدى نتنياهو المزيد من الوقت، وفي الحقيقة فإن الفصل الثاني من العدوان، زائد على حاجة الطرف الإسرائيلي، فهو يتميز بشيء واحد فقط، المزيد من القتل والتدمير، وارتكاب المزيد من جرائم الحرب.
ولكن تغيب الأهداف عن هذا العدوان وهذا عنوان فشل ذريع، إن كان يرضى المجتمع الدولي، بما تفعله إسرائيل، فإن الفلسطينيين قادرون على تحمل المزيد من الثمن، بعد الثمن الباهظ الذي دفعوه منذ بداية العدوان، ولكن هل تستطيع إسرائيل تحمل المزيد؟ إن لم يكن الدم الفلسطيني قد انتصر، فإن إسرائيل فشلت فشلاً ذريعاً، وسيتضح لاحقاً أن عدوانها سيرتد عليها بلاء ثقيلا.

طلال عوكل