شاهدنا وتابعنا ذلك من قبل أكثر من مرة، تصعيد وقصف متبادل يطال كل أنحاء قطاع غزة، تهيئة ـ في الغالب ـ لاستئناف مباحثات تعقد ثم تتوقف أكثر من مرة، كل ذلك بالترافق مع تصريحات نارية تشير إلى أن أي طرف لم يتمكن من حسم الحرب لصالحه بشكل حاسم، وما نشاهده ونتابعه اليوم، أن ليس هناك من حل عسكري، كما ليس بالإمكان القول، إن هناك حلاً سياسياً، على الرغم من زحمة الجهود، من مباحثات القاهرة إلى مشروع أوروبي لإقراره في مجلس الأمن ومنافسة أميركية لاحقة للتقدم إلى مجلس الأمن بمشروع آخر، مع ذلك فالميدان ما زال له الكلمة الأولى، وحرب الاستنزاف النفسية والعسكرية لا تزال هي عنوان كل ما يجري على أرض وبحر وجو قطاع غزة.
أهم ما في الجهود الدولية، هو الجهد الأميركي، من حيث دلالاته وآفاقه وأهدافه، فبالمقارنة مع الدور الأميركي أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، فإن واشنطن لم تتقدم بمشروع قرار لإنهاء الحرب، إلاّ بعد أن تأكدت أن الدولة العبرية بعد كل المجازر التي ارتكبتها في لبنان، لم تعد قادرة على إحراز نصر حاسم، عندها فقط، وإنقاذاً للاحتلال تقدمت بمشروع القرار الذي تمت الموافقة عليه. الآن في الوضع الفلسطيني، يبدو أن الأمر يتكرر، فحكومة نتنياهو غير قادرة على الاستمرار بهذه الحرب وإنجاز انتصار، الأمر الذي يمكن معه القول، إن قراراً من مجلس الأمن، سيشكل حلاً للمأزق الذي ورّط نتنياهو دولته وحكومته فيه.
إقدام واشنطن بعد ساعات قليلة من إعلان كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا عن صياغة مشروع قرار إلى مجلس الأمن، يشير إلى أن هذه الصياغة ربما ليست كافية كي توافق إسرائيل عليه ولا يستجيب بالكامل للتطلعات الإسرائيلية، من هنا فإن إسراع واشنطن وبالتوازي مع الجهد الأوروبي، إلى التقدم بمشروع قرار خاص بها إلى مجلس الأمن، يشير إلى أن المشروع الأميركي سيستجيب أكثر للتطلعات الإسرائيلية او بإجراء تعديل على بنود المشروع الأوروبي يأخذ بالاعتبار المصالح الإسرائيلية بشكل أفضل واوضح، خاصة فيما يتعلق بنزع سلاح المقاومة، أو على الأقل بتشكيل هيئة رقابية أكثر جدية بما لا يتيح للمقاومة تجديد قدراتها التسليحية وبوضع قيود على المعابر تحدّ من إنهاء الحصار، المطلب الفلسطيني الأساسي.
ورغم الهجمة السياسية والدبلوماسية الدولية، الأوروبية والأميركية، إلاّ أن الجانب الفلسطيني، من خلال الوفد الموحَّد، ما زال مصراً على أن المبادرة الوحيدة المطروحة على الطاولة للمباحثات، هي المبادرة المصرية، وقد تم تأكيد ذلك مجدداً إثر زيارة الرئيس عباس إلى كل من الدوحة والقاهرة، واجتماعاته المتواصلة مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، لذلك يبدو أن هناك جهوداً هائلة ستبذل من أجل تحقيق إنجاز بهدنة طويلة الأجل، تفتح المجال أمام مباحثات جدية، تأخذ بعين الاعتبار الاستحقاقات الفلسطينية المطلوبة.
وبات من الواضح أن المباحثات التي تجري في العاصمة المصرية، تنطلق من ضرورة وقف إطلاق النار، وتلبية الاحتياجات الأساسية للمواطن الفلسطيني في قطاع غزة من خلال إنهاء الحصار، والحاجة إلى فتح كافة المعابر بين القطاع وفلسطين 1948، وإعادة فتح المطار وإقامة ميناء وإطلاق سراح أسرى، كلها استحقاقات ذات طبيعة إنسانية ولا تلزم إسرائيل بأي اشتراطات ذات طبيعة سياسية، كما هو الأمر عليه في المبادرة الأوروبية التي تنص فيما تضمنته من مواد على استئناف المفاوضات بين السلطة وإسرائيل على أساس حدود عام 1967، ومع أن بإمكان إسرائيل المراوغة حول هذا البند فيما لو تم إقرار المشروع الأوروبي وقبلت به الأطراف ذات العلاقة، فإن من المفضل لإسرائيل أن لا يكون مثل هذا البند ضمن أي قرار صادر عن مجلس الأمن، وهو الأمر الذي من الممكن أن يوفره مشروع القرار الأميركي.
إن توفر إمكانية صدور قرار عن مجلس الأمن بفضل الجهود الأوروبية والأميركية، بالإضافة إلى الجهود المصرية لإحياء المباحثات غير المباشرة في القاهرة، يضع حكومة نتنياهو أمام أكثر من خيار، الأمر الذي سيؤدي إلى الإمعان في التلكؤ والتأجيل لفحص اختياراته الأفضل بين العروض المختلفة والتي تقترب أكثر من مصالحه، لذلك فإن مجرد عقد مباحثات في القاهرة، لا يعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق سريع، بل إن المماطلة من الجانب الإسرائيلي قد تسبغ المشهد التفاوضي في القاهرة، وعوضاً من تشكل "العروض الدولية" تشجيعاً لكي يمضي الجانبان إلى الاتفاق بسرعة، فإن هذه العروض قد تشكل سبباً إضافياً للمماطلة الإسرائيلية، وتلكؤ إسرائيل للاستجابة للدعوة المصرية لاستئناف المباحثات في القاهرة، هو أحد أشكال هذه المماطلة، لكسب الوقت بينما يتم فحص آفاق الخيارات الفضلى لإسرائيل من بين هذه الخيارات والعروض، خاصة وأن الجانب الإسرائيلي مولع بالمناورات والتهرب من الالتزام بالاتفاقات!
Hanihabib272@hotmail.com
هاني حبيب


