لم يكن عبثا أو خطأ أو مصادفة أن جعل الله لنا قبلتين للصلاة, فحاشا لله أن يقع في ديننا خطأ أو صدفه, وإنما هو وحى السماء, وسنة المصطفى الذى لا ينطق عن الهوى. فإن كانت ارادة الله أن نتوجه الى البيت الحرام فى مكة المكرمة التى ارتضاها لنا قبلة للصلاة, فلم أمر نبيه بالصلاة الى المسجد الأقصى لستة عشر شهرا قبل أن يأمره بالتحول الى القبلة الأبدية فى مكة؟.
وحينما أراد الله أن يكرم نبية وصفيه من خلقه, ويشد أزره بالعروج الى السماء, لماذا أسرى به الى بيت المقدس أولا؟ أما كان من الممكن أن يكون العروج الى السماء من مكة بجوار البيت الحرام,احب بقاع الأرض الى الله؟. أما كان من الممكن أن يجمع الله الأنبياء ليصلى بهم رسولنا عليه أفضل الصلاة والسلام إماما فى الكعبة, أول بيت وضع للناس, والذى هو أكثر قداسة من بيت المقدس؟ بالطبع نعم, فهو العلى القدير الذى لا يعجزه شيء فى السموات ولا فى الأرض.
إذن فما هى العبرة فى حضور بيت المقدس فى كلتا الحالتين وما الذى يمكن أن نستنتجه من ذلك؟.
لم تكن بيت المقدس فى ذلك الوقت تعنى للعرب الكثير, غير أنها مدينة يمرون بها فى طريق تجارتهم الى الشام, يتاجرون فيها, ويتزودون, ويريحون رواحلهم. ولكنها على خلاف ذلك كانت تعنى الكثير ليهود المدينة, حيث كانت قبلتهم للصلاة, ومهوى أفئدتهم, وأرض الميعاد التى طردهم الرومان منها قبل عدة قرون, ويحلمون بالعودة اليها يوما. اذا, فإن كان هناك مكن رسالة, فلا بد أنها كانت موجهة لبنى اسرائيل ممثلين فى يهود يثرب.
الله جل فى علاه, كان يعلم بسابق علمه, أن الشرك الى اندحار وأن معركة رسوله مع كفار قريش, بل ومشركى جزيرة العرب, ليست معركة طويلة, وانها ستنتهى بفتح مكة, حين يدخل الجميع الإسلام, وتكسر الأصنام, وينتهى الشرك الى غير رجعة. وكان يعلم أيضا أن بيت المقدس من تلك اللحظة ستكون مركز الصراع الكونى, فهى فى القلب من الأمة والعالم, ومن ملكها فقد سيطر على القلب. وكان يعلم أيضا أن معركة هذا الدين الكبري, والتى ستستمر الى يوم الدين, هى مع بني اسرائيل, وأن بداياتها ستكون فى يثرب والتى كان الرسول عليه الصلاة والسلام على وشك الهجرة اليها. لهذا فإنه من المنطقى أن نرى فى الإسراء برسولنا الكريم الى بيت المقدس, فى طريق عروجه الى السماء, وفى امامتة للأنبياء جميعا فى بيت المقدس, وفى أمر الله له باستقبال بيت المقدس فى الصلاة, رسالة مبكرة ليهود يثرب خاصة, ولبنى اسرائيل عامة, وللمشركين فى مكة, وللعالم أجمع, أن بيت المقدس هى ميراث النبوة والأنبياء, يرثها الأنبياء وأتباعهم الى يوم الدين, وأن وعد الله لبنى اسرائيل بالأرض المقدسة قد انتهى ببعثة محمد خاتم الأنبياء والمرسلين, وهى من تلك اللحظة لن تكون الا لأتباعه الى يوم الدين. وعلى هذا شهد الأنبياء جميعا بما فيهم أنبياء بنى اسرائيل, حينما اصطفوا جميعا للصلاة خلف إمامهم, وخاتمهم, في قلب المسجد الأقصى ببيت المقدس.
إذن فهى رسالة جمعت أمرى الدين والدنيا, الصلاة والسياسة. فبقدر ما كانت تكليفا بإفراد العبادة بالصلاة لله الواحد الأحد, وبقدر ما كان فيها من تثبيت وبشارة للرسول الكريم فى محنته, وشدته, فإنها جاءت لترسم الخطوط العامة للصراع فى هذا الكون من تلك اللحظة والى آخر الزمان, والذى سيقف فيه أتباع هذا الدين فى جانب, ويقف بنو اسرائيل فى الجانب الآخر, ويكون مركزه بيت المقدس كما تفصل ذلك الآيات الكريمة فى صدر سورة الإسراء.
اذا فالقبلة الى بيت المقدس جمعت قبلتى الدين والدنيا, العبادة والسياسة, ولكن لم هذا الجمع؟ ألم يكن ممكنا أن تكون قبلة الصلاة الى البيت الحرام منذ بداية التكليف بالصلاة وأن يكتفى فى شأن بيت المقدس وأحقيتنا بها بآيات سورة الإسراء؟. يبدو أن الله عز وجل أرادها رسالة لبنى اسرائيل, واضحة لا لبس فيها, وهم الذين يحرفون الكلم عن موضعه, أن بيت المقدس فى هذا الدين ليست شأنا سياسيا فقط, ولكنها قبل ذلك دين وعبادة, فهى الإثنان معا لا ينفصمان, لا يقوم لنا دين بدون بيت المقدس, ولاتقوم لنا سياسة إن تخلينا عنها.
لما استقر هذا الأمر وأصبح حقيقة واضحة فى عقول المؤمنين, وبنى اسرائيل, والمشركين وكل من بلغه هذا الدين, شاءت حكمة الله أن يفصل القبلتين, فخص البيت الحرام, ميراث ابراهيم أبي الأنبياء عليه السلام, بأن جعله قبلة للصلاة, واحتفظ لبيت المقدس بقبلة الدنيا والسياسة. فالله الذى أمرنا بحراسة الدين وسياسة الدنيا, ما كان ليجعل لنا قبلة للصلاة تجمعنا على عبادته, ويدعنا بلا قبلة فى أمور الدنيا تجمعنا على طاعته.
وإن كانت الصلاة هى عمود الدين, فإن السياسة هى عمود الدنيا. وإن كنا فى سائر العبادات نتوجه الي الله جميعا بقلوبنا, وفى الصلاة نتوجه اليه بقلوبنا ووجوهنا, نحو قبلة ارتضاها لنا, فإننا كذلك فى أمور حياتنا, نتوجه الي الله فى سائر أمور معاشنا بنياتنا وإخلاصنا, وفى السياسة ونقصد بها السياسات الجامعة, التى تهم أمر الأمة مجتمعة, وتمس امامتها و حياتها ومصيرها كأمة واحدة, فإن علىينا جميعا أن ييمم وجوهنا شطر قبلتنا الأولى فى بيت المقدس, القبلة التى ارتضاها لنا الله للحياة والسياسة. فأولى القبلتين ما زالت أولاهما, ولن تصبح قبلة سابقة. جمع الله بين القبلتين فهما متلازمتان ما دام الليل والنهار ولا يملك أحد أن يفرق بينهما.
منذ فجر تاريخ هذه الأمة ظلت بيت المقدس هى واسطة العقد, وهى العقد الذى يجمع حبات هذه الأمة, وفى كل مرة انفرط العقد فيها, أنفرطت تبعا لذلك حبات الأمة, واصبحت نهبا لكل طامع, الى أن يقيض الله لها من يعيد نظم العقد ويجمع حباته التى انفرطت, فيلملم شعثها ويعيد لها قوتها. ظلت هى القبلة والبوصلة التى يجتمع عليها أمر المسلمين, يدورون معها حيث دارت. ظلت هى الجامعة للشمل عند الخطوب, والمنقذه للأمة عند الشدائد, والقابرة لأعدائها فى لحظات الحسم المصيرية. فيها اندحر التتار والمغول, وفيها قهر الصليبيون, وفيها ارتد نابليون على اعقابه, وفيها تلقت الأمة الطعنة التى فطرت قلبها, ومزقت شملها, وفتتت وحدتها بإقامة دولة لليهود, وفيها سيكون وعد الآخرة كما وعد الله.
بيت المقدس آية فى الكتاب, من فرط فيها كمن فرط فى البيت الحرام, ومن تولى قبلة غيرها, فى سياسة الأمة ومصيرها, كمن تولى قبلة غير البيت الحرام فى الصلاة. على الأمة جميعها أن تضبط بوصلتها فى صراعها مع أعدائها نحو بيت المقدس, وأى بوصلة فى غير هذا الإتجاه إما بوصلة مضللة أو مشبوهة.
د. محمد جودة
فيسبوك Dr. Mohammad Joudeh


