خبر : الحرب أنضجت الظروف التاريخية لحل القضية الفلسطينية ...بقلم: حسين حجازي

السبت 23 أغسطس 2014 12:08 م / بتوقيت القدس +2GMT



تشعر الشعوب في أوقات الحرب المحن الشديدة في الأزمان الصعبة والعصيبة، بنوع نادر من التوحد العاطفي أو التلاحم النفسي اقرب ما يكون الى الانفعال التطهري، الذي تحدث عنه أرسطو في محاولة آباء المسرح الإغريقي، إعادة غسل وعي الأثينيين للتماهي مع صور أبطالهم القدامى. إنها لحظات من الكشف الذاتي عن اجمل ما في هذه الشعوب، وقد بدأت للتو في ذروة المأساة التعرف على هذا الجمال بطولتها وكرامتها المدفوعة الى ذروة هذا الاكتمال، في التماهي مع الفكرة والانتظام. وهي الأوقات التي ستجد لها صدى عظيماً في الأدب الروسي والأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية، كما في موسيقاهم الكلاسيكية بعد الحروب النابليونية، وعظمة الملحمة الروائية لتولستوي "الحرب والسلام".
ليس سوى الحروب الوطنية العادلة ضد الغازي والمعتدي ما يعيد تطهير وغسل وعي الشعوب واكتشاف ذاتها من جديد. هل أخطأت إسرائيل خطأها القاتل والأخير حينما عجزت عن التمييز بين عدوها المفترض كما تدعي وهو "حماس"، بينها وبين الناس المدنيين عامة، الغزيين العاديين وقبل ذلك أيضاً في الخليل؟ حتى دفع شلال الدم هذا بلا رحمة الى ان يرى الفلسطينيون كلهم انهم جزء من هذه المعركة، وكان القصف الإسرائيلي بالطائرات على مدار الساعة يعيد التذكير بمشاعر سكان مدينة لندن تحت القصف الليلي المتواصل بالطائرات الألمانية.
لن ينتصر النازي المتفوق في دبابات البازنر والطائرات على روسيا في ستالينغراد، ولا على لندن التي أحالها الى دمار بالقصف، وستدفع أوروبا والعالم سبعين مليون قتيل لأجل التخلص من النازي والفاشية الإيطالية. وكل ذلك لأجل التمسك بأفكار خرافية وطائشة لقادة مهووسين بتفوق خرافي في العرق والدين وجنون العظمة، إعادة إحياء الرايخ الألماني ليسيطر بجناحيه على العالم وإعادة مجد الامبراطورية الرومانية البائدة منذ ألف عام في إيطاليا.
همس جون كيري العاقل : لا يمكن أن نترك الأمور لهؤلاء القادة الطائشين، انظروا الى مشهد الفرح الصبياني الذي يدلل على نوعية الزعامة والقيادة بعد قتل القادة الميدانيين الثلاثة في رفح، لقد انتصروا، طيب يا ليت بعد هذا الانتصار ان تعودوا الى رشدكم وعقلكم بوقف هذه الحرب العبثية، وتخرجوا من بحر الغزيين وسمائهم وتحلوا عنهم وتتركوهم يعيشون حياتهم الإنسانية العادية ويتمتعون بسحر الحياة العادية.
لقد كانت هذه الحرب وقتا كذلك للتأمل في أسباب الحروب ولماذا يحاربون وعن غباء الحرب كحل للمشكلات، وبودي أن أقول في هذا الصدد أنني لو كنت المستشار السياسي للسيد نتنياهو بدل اسحق مولخو، لقلت له: لماذا قص العشب او الحشائش الزائدة في كل مرة، افتح كل المعابر بل واعطهم بدل الميناء الواحدة ميناءين وحتى مطارين ان امكن، واستعمل نفوذك لإغراقهم بالمال بل واعد تشغيل مئة ألف عاطل عن العمل كما كان الحال بعد عام 1967 في إسرائيل. وعندها سوف نرى ان كانت غزة سوف تتحول الى سوق حرة للصواريخ وهي كذلك اليوم رغم الحصار، ام سوقا حرة مزدهرة للتجارة والأعمال؟ بدل ان يحصلوا عليها عنوة رغما عنك وهم سيتحصلون عليها حتى لو قتلتهم جميعاً، لأن العيش تحت هذا الحصار الذي اختبره الغزيون لم يعد ممكنا. والمسألة هنا ليست مصالح "حماس" وإنما مصالح الناس المباشرة والحيوية، ويمكن للناس أينما كان التسامح في كل شيء إلا ان تعترض او تقف أمام مصالحهم الحيوية.
لكن في الواقع هذه لم تكن أغبى حروب إسرائيل ولكن أظن انها تمثل أول حروب إسرائيل الحقيقية مع الفلسطينيين على ارض فلسطين، والتي شكلت اختبارا جديا لجماع قوة الطرفين، وهو بالمجمل اختبار سالب وفاشل من ناحية إسرائيل وإيجابي أخلاقي من الناحية الفلسطينية. إذا كانت إسرائيل قد برهنت فقط على كونها قوة غاشمة مدمرة، فقد أظهر الفلسطينيون تحولاً جذرياً على مستوى امتلاكهم لأول مرة نظريةً قتالية.
بيد ان الأسئلة التي ستطرحها الحرب بعد ان تضع أوزارها هي على المستوى الاستراتيجي للنتائج والدلائل، التي انتهى اليها هذا الفصل الأخير من القتال الدامي، والأسئلة المبكرة هنا هي التي تتعلق بخارطة الطريق من هنا وجهة السفر القادمة. وأي مقاربة استراتيجية تتبلور الآن أمام الفلسطينيين بعد خبرة هذه الحرب؟ فإذا احتاج الفلسطينيون في غزة الى دفع هذه التكلفة الباهظة ليتمكنوا فقط من الحصول على الحق في الحياة الإنسانية والعيش الكريم، فما هو السيناريو المتوقع وكذا التكلفة والثمن لإنجاز التحرر الوطني والاستقلال التام وإنهاء الاحتلال؟ وإذا كانت المفاوضات الأحادية فاشلة ولم تفض الى نتيجة فما هو شكل وأسلوب الاشتباك القادم في جولته الحاسمة في الضفة؟
واطرح سؤالا حول الأسلوب لأنني أظن أن استنساخ التجربة الغزية يجب ان يكون بروحها الابداعية، ولكن ليس بالضرورة بطريقتها وأسلوبها، وان اعتقدت ان الظروف التي أوجدتها الحرب الأخيرة سوف يكون لها التأثير الحاسم في تحديد ورسم الإطار الإستراتيجي المقبل لإنهاء هذا الصراع التاريخي، بتوليد الديناميكيات الدافعة لإعادة طرح جذر القضية الأساسي، والنقاش حوله على الأجندة الدولية لأول مرة على المستوى الشعبي والرأي العام العالمي، كما الحكومات الرسمية على غرار ما حدث في جنوب إفريقيا.
إنها لحظة الاقتراب من الحسم، والمسألة يا بنيامين نتنياهو، ان كيري وإدارة أوباما يفضلون المحور القطري والتركي لأنهم يرون في الإخوان المسلمين و"حماس" منها هي الحاجز الإسلامي أمام خطر "داعش" و"القاعدة"، وحساباتهم حسابات استراتيجية وصحيحة. وليس حذلقاتك البلهاء هنا لها قيمة، ولذا حسناً الذهاب الى مجلس الأمن الدولي لوقف الحرب وإنهاء مهزلة الحصار على غزة، وتهيئة الأرضية لعودة التفاوض على إنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة الفلسطينية دون خوض القتال هنا مئة معركة حربية أُخرى، اتعاظاً بالتجربة الغزية.