ليس مستغرباً أن يبحث قادة الاحتلال الصهيوني عن ضالتهم في قطاع غزة لتحقيق مكاسب بعد عدوان "الجرف الصامد" الذي شنوه هناك وأدى إلى استشهاد أزيد من ألفي فلسطيني وآلاف الجرحى، فضلاً عن فاتورة كبيرة جداً من الدمار في الممتلكات الخاصة والعامة.
إسرائيل كانت بحاجة إلى فسخ التهدئة المؤقتة سواء من طرفها أو من قبل الطرف الفلسطيني، للتمكن من إيجاد نصر على المقاومة في غزة، ومن ثم العودة إلى المفاوضات بعد رفع سقف المطالب الإسرائيلية التي كانت مرتفعة في الأساس ومنذ بداية المفاوضات في القاهرة.
الذي دفع الاحتلال الصهيوني إلى عدم الاستجابة لشروط المقاومة الفلسطينية يتمحور في أكثر من جانب، فأولاً لا يريد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن يقدم نصراً للفلسطينيين على حساب مستقبله السياسي، وثانياً هناك رغبة عند معظم قيادات الاحتلال بضرورة ترويض المقاومة وكسر شوكة "حماس" تحديداً.
ثالث هذه الأسباب يتعلق بالحصول على معلومات استخباراتية عن تحديد أماكن بعض أهم القيادات الحمساوية العسكرية، ويبدو أن محاولة اغتيال القائد العام لكتائب القسام محمد الضيف، إنما دليل على أن الاحتلال الذي ظل يتابع عن كثب تحركات الرجل، تحصّل على معلومات جديدة عن مكان الضيف.
لا يُستثنى من هذا نشاط العملاء الذين يزودون الاحتلال بأماكن تواجد عناصر المقاومة، ويبدو على الأرجح أن محاولة اغتيال الضيف ناتجة عن متابعة عملاء فلسطينيين لهذا القائد الذي تضعه إسرائيل على قائمة لائحتها المخصصة لاستهداف قيادات المقاومة.
ثم إن اغتيال ثلاثة من أهم القيادات العسكرية في "حماس" يبدو في أمره تخطيطاً من قبل الاحتلال لتوسيع دائرة استهداف قيادات المقاومة وخطوة تكميلية لإضعاف بنية الأخيرة في القطاع، يشمل ذلك بطبيعة الحال تكثيف الغارات لضرب الأنفاق ومحاولة تدميرها كلياً قبل استعادة أي هدنة مقبلة في غزة.
لاشك أن إسرائيل التي لم تحقق أياً من الأهداف في عدوانها على قطاع غزة، تسعى بكل قوة من أجل تحقيق مكاسب تكتيكية تحسب لصالحها في استكمال أو إطلاق أي مفاوضات جديدة، وكان الهدف طالما وأن عدواناً برياً ليس في وارد الاحتلال، نقول إن الهدف كان عبر تحقيق إنجاز مرئي أو معلوم خصوصاً لدى الرأي العام الإسرائيلي.
مسعى الإنجاز هذا تمثل في محاولة الاغتيال الفاشلة للضيف، تبعها نجاح الاحتلال في استهداف كل من محمد أبو شمالة قائد كتائب القسام في جنوب القطاع، ورائد العطار قائد كتائب القسام المسؤول عن منطقة رفح، والشهيد القيادي العسكري محمد برهوم.
الاغتيال الجديد الذي حصل، لا محالة في أنه ناتج عن عمالة زودت الاحتلال بمكان وجود الشهداء الثلاثة، لكن حقيقةً وبعيداً عن المزايدات والانتقادات، كان يفترض أن لا يتجمع أكثر من قيادي في مكان واحد، لأن هذه القيادات وعناصر المقاومة هي رأسمال وطني مهم في التصدي للاحتلال، وينبغي أن تأخذ أقصى درجات الحيطة والحذر.
هذا الرأي يعود لسبب مهم يتعلق بأن الشهداء الثلاثة هم أيضاً على قائمة المطلوبين لدى الاحتلال، مع ذلك فإن ارتقاءهم إلى العلا لا يعني أن المقاومة و"حماس" ضعفت وكسرت شوكتها، بل ربما يزيد ذلك من حماستهم في مقارعة الاحتلال.
بعد فشل المفاوضات وعودة العدوان ينتصب سؤال حول ما الذي يريده الاحتلال بالضبط؟ إن إسرائيل التي أرادت من "الجرف الصامد" إضعاف المقاومة وتدمير الأنفاق وإسكات إطلاق القذائف، لم تفلح أبداً من تحقيق أي إنجاز حقيقي تتفاخر به أمام رأيها العام.
ولأن الطرف الفلسطيني ذهب موحداً إلى المفاوضات وتمسك بأهم الشروط التي تكسر طوق الحصار على قطاع غزة، فقد لجأت إسرائيل إلى حيلة عودة العدوان لتوجيه ضربات مؤلمة إلى المقاومة، والاسترشاد بالمعلومات الاستخباراتية التي كثفت العمل من أجل الحصول عليها على جبهة غزة.
تزامن هذا مع إعلان إسرائيل اعتقالها أكثر من تسعين ناشطاً من "حماس" في الضفة خلال الأشهر الثلاثة المنصرمة، وأن هؤلاء كانوا يخططون لعمليات تفجيرية في العمق الإسرائيلي، أملاً في زعزعة الاستقرار في الأراضي المحتلة وإسقاط السلطة الفلسطينية.
هذا الإعلان هدفه المساس بالوحدة الفلسطينية وتمزيقها تماماً وإضعاف حركة المقاومة الفلسطينية ككل، دبلوماسياً وعسكرياً، ولا يخفى على أحد أن إحدى أهم أسباب رفض الاحتلال لشروط المقاومة يتصل بفصل غزة عن الضفة الغربية وتسوير القطاع بالقبضة العسكرية الإسرائيلية مع عدم الرغبة في تحمل أي مسؤولية تجاه هذه الجغرافيا الصغيرة.
الملخص من كل ذلك، أن الاحتلال أراد سحب صفة القوة والتهديد من تحت بساط المقاومة الفلسطينية، وإبقاء "حماس" عند قدرة المناورة السياسية والقوة الناعمة الموجهة للوضع الفلسطيني الداخلي، ومن ثم إعادة ضرب الفلسطينيين في وحدتهم وإبقاء غزة مشلولة ومعزولة عن الضفة الغربية.
جيد أن المفاوضات فشلت مع طرف إسرائيلي بارع في إهدار حقوق الآخر عبر إغراقه بالوقت، ذلك أن الاحتلال في جولة المفاوضات هذه، أعاد إنتاج نفس مفهوم إدارة الصراع والمفاوضات في مرحلة ما بعد أوسلو.
لقد تضمنت الورقة المصرية التي لم توافق عليها إسرائيل، تخفيفاً تدريجياً للحصار على غزة، ونقاشاً مؤجلاً حول المطار والميناء لشهر تقريباً، ويشمل التدرج موضوع الصيد والمنطقة العازلة والمعابر، الأمر الذي يلغم المفاوضات من الأساس ويجعلها مجرد نقاش في نقاش.
ويبدو أن الفلسطينيين المفاوضين استوعبوا درس أوسلو الذي لم يحصلوا منه على الدولة الفلسطينية التي فاوضوا حولها وحول القدس والحدود واللاجئين وغيرها منذ ما يزيد على العشرين عاماً، بل على العكس كلما طالت المفاوضات استعصى الحل وكرس الاحتلال مخططاته الصهيونية.
إسرائيل التي قال وزير الحرب الأسبق شاؤول موفاز مؤخراً، إنها فشلت في تحقيق أهداف عدوانها على غزة، ستعوض عن خسارتها بمواصلة العدوان الالكتروني، قصف من جميع الجهات بكبسة زر، وهي لا تشعر بعد أنها مهيأة للجلوس على طاولة المفاوضات في القاهرة بدون تحقيق الحد الأدنى من أهدافها.
إن أقوى رد على العدوان الصهيوني يأتي أولاً بالوحدة الفلسطينية وديمومتها، والحفاظ على الثوابت في المفاوضات وغيرها، وإدخال الضفة الغربية في نضال سلمي استنزافي ضد الاحتلال، لأن الضغط على الأخير من جميع الجهات سيعني أخيراً لجمه وتحصيل الحقوق الفلسطينية العادلة والمشروعة.
لنا أن نتخيل كيف تكون المعادلة في مقاومة مسلحة تشل بقذائفها عمق إسرائيل وغلافها الجنوبي، ومقاومة سلمية أخرى تفضح الاحتلال على جرائمه وعنجهيته المتغطرسة، ودبلوماسية سياسية ترفع الغطاء تماماً عن عورة إسرائيل في المحافل الدولية. النتائج لابد ستكون مختلفة وفي صالحنا وما الصبر أخيراً إلا مفتاح الفرج.
Hokal79@hotmail.com


