خبر : الحرب التي لم تخترها المقاومة ...بقلم: محمد ياغي

الجمعة 22 أغسطس 2014 09:30 ص / بتوقيت القدس +2GMT



كل متابع للشأن الفلسطيني يدرك أن الحرب على غزة لم تكن خياراً يمكن للمقاومة أن تتجنبه. حركة "حماس" ذهبت قبل الحرب لأبعد مدى ممكن لتخفيف الحصار المزدوج عليها: حصار دولة الاحتلال من جهة، وعمليات إغلاق الأنفاق على الجانب المصري التي استمرت حتى في ظل في الحرب. أمام حصار مُحكم كان خيار "حماس" الأول هو الذهاب إلى حكومة توافق وطني تعطي للسلطة الفلسطينية صلاحيات الإشراف الإداري على غزة بما يسمح بفتح المعابر ضمن الاتفاقات الموقعة بين السلطة وإسرائيل.
الذي فاجأ "حماس" ليس الرفض الإسرائيلي لحكومة التوافق، ولكن العدوان على غزة بعد حادثة الخليل (مقتل المستوطنين). لا "القسام" ولا أي من كتائب المقاومة المسلحة كان يريد الذهاب الى حرب تختار توقيتها إسرائيل. كان من الواضح أن كتائب المقاومة تريد وقتاً وظرفاً سياسياً مسانداً للعودة للتصعيد مع إسرائيل. خسارة سورية وإيران ومن ثم خسارة مصر، لم تكن عوامل مشجعة على التصعيد مع دولة الاحتلال، وحل مكانها، كما اتضح خلال الحرب، سياسة الإعداد والتجهيز لحرب تختار المقاومة وقتها.
إسرائيل بدورها لم تكن صامته. كانت تراقب المتغيرات التي تجري في الإقليم، وفي ظل سياسة إغلاق الانفاق على الجانب المصري، والعداء الواضح بين النظام الحالي في مصر وحركة الإخوان المسلمين التي تُعتبر "حماس" جزءاً منها، وجدت إسرائيل أن الظرف الإقليمي يخدم عدوانها على غزة، ويساعد على إضعاف "حماس"، مُطمئنة إلى أن نهاية العدوان ستكون على طريقة اعتداءاتها السابقة: هدوء مقابل هدوء. أو عندما تتوقف هي عن اعتداءاتها، تتوقف المقاومة عن الرد. بمعنى أن من يحدد متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي دولة الاحتلال. وهي من خلال هذه المعادلة التي اختبرتها نهاية العام 2008 والعام 2012، لا تظهر فيها فقط منتصرة، ولكن تبقي فيها يديها طليقتين لتحديد موعد عدوانها القادم - اغتيال، تدمير منشآت، أو حرب شاملة.
ما لم تفهمه حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل هو أن ظهر "حماس" ومعها فصائل المقاومة للحائط. بمعنى أن تشديد الحصار المصري، وإعاقة إسرائيل لعمل حكومة الوفاق الوطني لم يتركا خياراً للمقاومة غير الذهاب الى اتجاه كسر الحصار بالقوة حتى لو تطلب ذلك خوض حرب استنزاف طويلة على الرغم من أن وقتها وظروفها في غير صالح المقاومة.
يقال، رب ضارة نافعة. وربما تكون حرب الاستنزاف هي الكلمة السحرية لإنهاء حصار غزة، ودفع الشعب الإسرائيلي للضغط على حكومته لتغيير سياساتها مع الفلسطينيين بشكل عام.
الكل يعلم أن حركات المقاومة لا تنتصر بضربات قاضية، ولكن بالنقاط. الدول فقط تنتصر بالضربات الساحقة. احتاجت المقاومة اللبنانية ثمانية عشر عاماً لإنهاك إسرائيل وإجبارها على الانسحاب من الجنوب. المقاومة في غزة لن تحتاج لهذا الوقت لأن في يدها أوراقاً يبدو أنها قوية مثل شل الحياة في المناطق السكانية الإسرائيلية المحيطة بغزة، وفي يدها تذكير سكان تل أبيب وحتى حيفا بأن حصار حكومتهم لغزة مسألة تؤثر على حياتهم أيضاً، وهي مسألة لا تتطلب مئات الصواريخ، بل صاروخ واحد تطلقه المقاومة كل عدة أيام.
المسألة بعكس ما تقوله حكومة اليمين الإسرائيلي، إن حرب استنزاف في ظل عدم وجود إمداد للمقاومة قد تنتهي خلال أشهر لأن المقاومة ستخسر مخزونها من الأسلحة. حرب الاستنزاف من جانب الفلسطينيين ليست حرباً بالمعنى الحرفي للكلمة، ولكنها في ظل غياب الاجتياح البري هي أقرب الى حرب "التنغيص" لأن كل مواطن إسرائيلي سيشعر بها وحياته لن تعود أبداً كما كانت.
دعونا نسجل هنا أن المقاومة قد تمكنت من تطويع الجغرافيا لخدمتها وهو ما شاهدناه خلال الحرب البرية على غزة، لذلك يمكنها أيضاً ترشيد حرب الاستنزاف، وهو ما لا تفهمه دولة الاحتلال عندما تتشبث بحصارها بدعوى أن المقاومة لا يمكنها خوض حرب طويلة بسبب الحصار المفروض عليها وعدم قدرتها على تجديد ما تخسره من وسائل قتال.
تراهن دولة الاحتلال أيضاً على فكرة أنها ستخلق خلال حرب الاستنزاف وضعاً مأساوياً في غزة لا قدرة للمقاومة على احتماله وأن ذلك قد يكون كافياً لردع المقاومة. بمعنى أنها تراهن على أن سياستها في القتل الجماعي لعائلات بكاملها وربما لعائلات قادة المقاومة كما حصل مع عائلة الضيف والتدمير لبيوت الفلسطينيين ومنشآتهم، ستجبر المقاومة على العودة لقبول سياسة الهدوء مقابل الهدوء التي تعطي إسرائيل اليد العليا لبدء حربها التالية متى شاءت. لكن ما لا تدركه دولة الاحتلال أن ما تقوم به قد تم تجريبه سابقاً ولم ينجح. أميركا حرقت فيتنام وفرنسا دمرت كل شيء تقريباً في الجزائر وإسرائيل نفسها دمرت الضاحية الجنوبية في بيروت والعديد من القرى اللبنانية. لكنهم جميعاً فشلوا في إخضاع حركات مقاومة تتمتع بعمق شعبي. وفي الحالة الفلسطينية تحديداً العمق الشعبي للمقاومة سببه الحصار الظالم على غزة وإدراك الفلسطينيين بأن دولة الاحتلال تعمل على تجريدهم من أرضهم وتسعى لتمزيق وحدتهم ولا تريد إنهاء احتلالها لهم ولأرضهم.
قادة إسرائيل لا يكفون عن ترديد أن ما يجري في الإقليم هو في صالحهم، لكن الإقليم لم يستقر بعد. حزب الله مشغول في سورية لكن قوته في تنامٍ مستمر. الجماعات التكفيرية في سورية والعراق لا تحارب إسرائيل اليوم لكنها أيضاً ليست بعيدة عن تفكيرهم. الفكرة هنا هي أن حرب استنزاف طويلة حتى لو كان فعل المقاومة فيها محدوداً قد تحمل معها فرصاً لا يمكن رؤيتها الآن. منها أن تتوسع الحرب لتشمل آخرين، ومنها أن تضطر إسرائيل لعملية اجتياح بري واسعة تعيدها بالضبط إلى حيث لا تريد (وجهاً لوجه مع المقاومة)، ومنها تغيرات في الإقليم نفسه في غير صالح إسرائيل.
هذه الحرب فرضت على المقاومة، وقد يكون خيار الذهاب في هذه الحرب إلى أبعد مدى لها، هو الطريق الوحيد لكسر الحصار عن غزة ولإنهاء حالة الجمود في ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بشكل عام.