خبر : إسرائيل تدخل على خط إفشال الجهود المصرية ...بقلم: د. عبد المجيد سويلم

الخميس 21 أغسطس 2014 09:44 ص / بتوقيت القدس +2GMT
إسرائيل تدخل على خط إفشال الجهود المصرية ...بقلم: د. عبد المجيد سويلم



أدركت إسرائيل أن التظاهر بتأييد المبادرة المصرية قد تم استنفاده بعدما تداركت القيادة الفلسطينية المواقف الرافضة لتلك المبادرة واحتوتها عَبر تشكيل الوفد الفلسطيني الموحد وعَبر وحدة مواقف الوفد حول المطالب الفلسطينية وتناغم أداء الوفد مع الجانب المصري. لم يكن بمقدور إسرائيل أن تتنصل من هذه المفاوضات فور تعديل الحالة الفلسطينية، ولم تكشف عن تكتيكها التفاوضي منذ ذلك الحين.
عندما وصلت المفاوضات غير المباشرة إلى النقطة الحرجة، أي عندما وصلت إلى التحديد الملموس للمفاهيم والجمل والعبارات والمصطلحات، وعندما اقتضت هذه المفاوضات تحويل وقف إطلاق النار من حالة مؤقتة ترتبط بسير المفاوضات إلى حالة دائمة ترتبط بترتيبات وإجراءات وآليات تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه في المفاوضات "قذفت" إسرائيل في وجه الوفد الفلسطيني بقضايا جديدة لم تكن على جدول الأعمال إلاّ تلميحاً، ولم تكن لتدخل على هذا الجدول أصلاً باعتبارها خارج نطاق البحث ومرفوضة من حيث المبدأ، ليس من قبل الوفد الفلسطيني فقط وإنما مرفوضة من قبل الراعي المصري أيضاً.
بعبارة أخرى عندما أصبح وقف إطلاق النار يعني الانتقال إلى فك الحصار والتحضير لإعادة الإعمار، وعودة السلطة الشرعية لاستلام مهامها وفتح المعبر ما بين الضفة وغزة، وما سيترتب على كل ذلك من تعزيز مؤكد لمسيرة تعزيز الوحدة الفلسطينية الداخلية.. عندما أصبح كل ذلك ماثلاً أمام إسرائيل أصبح الاستمرار في المفاوضات من وجهة النظر الإسرائيلية مسألة خارج نطاق الإمكانية!
إسرائيل التي فشلت في أن تنتصر ميدانياً لم يكن منتظراً منها أن تنجح في "هزيمة" الفلسطينيين على طاولة المفاوضات. وعندما وصلت الأمور على طاولة المفاوضات إلى جلاء هذه الحقيقة كشفت عن حقيقة موقفها.
فبغضّ النظر عن أية حصيلة سياسية لهذه الحرب فإن الذي يقود الدفة في إسرائيل هو اليمين واليمين المتطرف، واليمين ليس لديه خطة سياسية للتعامل مع قطاع غزة إلاّ إذا بقي القطاع تحت "رحمة" إسرائيل من جهة ومنفصلاً عن الضفة من جهة أخرى، وهو ما يستحيل الحصول عليه من خلال المبادرة المصرية، وكافة "التعديلات" التي طرأت عليها منذ انطلاقها وحتى آخر دقيقة من المفاوضات.
ووسط اليمين ويمين الوسط هم خارج الصورة التفاوضية، حتى أن الأمور وصلت إلى أن يخفي نتنياهو المعلومات ولم يطلع كل الوزراء على كل التفاصيل التي كانت تناقش في القاهرة.
أما "المعارضة" الإسرائيلية التي تتمثل أساساً في حزب العمل فهي معارضة باهتة وليس لدى هذا الحزب ما يقوله كحالة نقيضة للسياسات الإسرائيلية.
دخلت إسرائيل إذن على خط إفشال أو محاولة إفشال المبادرة المصرية بالضبط عندما دخلت القيادة الفلسطينية على خط إنجاح المبادرة المصرية.
أمام كل هذا، ما هي البدائل، التي يمكن لإسرائيل أن تلجأ إليها أو أن تحاول بيعها وتسويقها؟
علينا هنا أن نفرق ما بين ما يمكن أن يبيعه نتنياهو إلى المجتمع الإسرائيلي وما يمكن أن يبيعه للعالم ولمنطقة الإقليم.
للمجتمع الإسرائيلي نتنياهو لديه ثلاثة أو اربعة هموم، ولذلك فإن البضاعة التي سينشرها في السوق الإسرائيلية هي بضاعة فاسدة بامتياز لأن هموم نتنياهو هي لجان التحقيق والانتخابات والحلف اليميني القادم والمطاردة الدولية.
نتنياهو ليس لديه حلول عسكرية ولا حلول سياسية لما وصلت إليه الأمور في إسرائيل ولما وصلت إليه الأمور في كامل الإقليم من "توتر" واحتقان تضعه على حافة الانفجار.
كل ما لدى نتنياهو هو البحث عن صورة المنتصر حتى ولو على شاكلة كاريكاتورية. كل ما ينتظر نتنياهو مساحة باهتة بين المهزوم وبين المكابر.
لن يستطيع جيشه أن يجلب له ذلك الانتصار، وإذا ما أصر على ذلك فإن صورته وصورة إسرائيل ستكون أكبر كلفة من ذلك النصر الموهوم.
البدائل التي لدى نتنياهو للعالم والإقليم أكثر بؤساً من بدائله المخصصة لإسرائيل.
فبين الرمضاء والنار لا يملك نتنياهو موقفاً سياسياً واحداً يمكن أن يسوّقه حتى على الولايات المتحدة نفسها.
فهو لا يريد مفاوضات، وإذا أراد مفاوضات فبشروط "إنهاء" حكومة التوافق الوطني وباستمرار الاستيطان وعلى أن لا يتم توجه الشعب الفلسطيني إلى المؤسسات الدولية، وعلى أن لا تشمل المفاوضات القدس، والأغوار، والجدار واللاجئين. وهو لا يريد مفاوضات حول غزة إلاّ ببقاء الحصار والتحكم بإعادة الإعمار ونزع السلاح والإبقاء على المنطقة العازلة وتقوية مسألتي الميناء والمطار.
حرق نتنياهو كل السفن، وأصبح تراجعه أصعب من إقدامه على تجديد الحرب بفصول جديدة.
انسحاب نتنياهو من مفاوضات القاهرة هو شعور واستشعار بأن الانتصار على الفلسطينيين بات مستحيلاً.
وهو إقرار مبكّر بأن المبادرة المصرية قد حشرته في زاوية ضيقة ولهذا دخل هو أيضاً بدوره على خط إفشال هذه المبادرة.
وبالمناسبة، فإن كل من يحاول إفشال المبادرة المصرية فانه يكون قد دخل على خط إنجاح "خطة" نتنياهو.