خبر : في مسوغات الانضمام الى محكمة الجنايات الدوليه ...بقلم : محسن أبو رمضان

الثلاثاء 19 أغسطس 2014 09:18 م / بتوقيت القدس +2GMT
في مسوغات الانضمام الى محكمة الجنايات الدوليه ...بقلم : محسن أبو رمضان




تتسم القضية الفلسطينيه بعدالتها وببعدها الأخلاقي , فالشعب الفلسطيني تعرض لأبشع عمليه تطهير عرقي في القرن العشرين عبر هجره عام 1948 وتشريد المواطنين واستبدالهم بالمهاجرين الصهاينة على أنقاضهم .
تمت عمليه انشاء دوله اسرائيل في اطار الممارسات الوحشيه التي نفذتها العصابات الصهيونيه بحق التجمعات السكانية للشعب الفلسطيني وارتكبت هذه العصابات العديد من المجازر أبرزها دير ياسين و كفر قاسم وبعد ذلك في خانونيس وصبرا وشاتيلا وغيرها من هذه المجازر .
اسرائيل اذن تستخدم اسلوب المجازر وعمليات الآباده الجماعية من اجل تثبيت دولتها كما تعمل في حروبها على نقل المعركة في نقل الخصم بسبب هشاشة المجتمع الاسرائيلي وعدم تماسكه فهو مكون من مهاجرين من جنسيات مختلفة تم التغرير بهم بالاستيطان بالأراضي الفلسطينيه تحت مبررات دينيه مثيولوجية وضمن ادعاءات بان فلسطين ارض بلا شعب لشعب بلا ارض .
دعمت بريطانيا المجموعات الاستيطانية اليهودية وقامت بتنفيذ وعد بلفور عبر تسليم صلاحيات الانتداب للمجموعات الصهيونية التي اسست بموجبها دولة اسرائيل .
ادعت اسرائيل بأنها قبلت بمشروع التقسيم إلا ان ذلك كان لادراكها رفض القياده الفلسطينه والعربية بهذا المشروع بدليل انها استكملت اهدافها التوسعيه عبر مشاركتها بالعدوان الثلاثي على مصر عام 56 واحتلالها للأراضي الفلسطينيه وأجزاء من الأراضي العربية في عام 67 .
أرادات اسرائيل تغير المعالم الديمغرافيه بالأراضي الفلسطينه المحتله عام 67 , حيث قامت بتغير مشاريع الاستيطان ومصادره الأراضي وتهويد القدس وتصاعدت وتيرة الاستيطان بالضفة الغربيه بعد توقيع اتفاق اوسلو ,حيث كان في تلك الفترة يوجد 100 الف مستوطن أما الان فيوجد أكثر 650 ألف مستوطن ,علما بان الاستيطان يتم بطريقه منهجيه مدروسة تنفذ بها عمليات واسعة من مصادره الأراضي ويتم السيطرة على المواقع ألاستراتيجيه التي تقع تحتها احواض المياه بالمناطق المرتفعه وبدأت في عام 2002 ببناء جدار الفصل العنصري التي تهدف من وراءه الى اقتطاع حوالي 14% من أراضي الضفة الغربيه وضمها الى إسرائيل كل ذلك في ظل اسمراريه السيطرة على الأغوار التي تشكل مساحتها حوالي 23% من مساحه الضفة وتعتبر سله غذاء كامل له .
نفذت دوله الاحتلال عمليات أدت الى تحويل الضفة الى منظومة من المعازل والبتوستانات وعندما نفذت خطة الانفصال احادي الجانب من قطاع غزة كان ذلك بهدف تحويله الى بانتوستان أو الى معتقل كبير فقد أحكمت السيطرة عليه وفرضت حصارا ظالما في منتصف عام 2007 بهدف دفعه الى التخلف الاقتصادي والاجتماعي وإبقائه رهينة للمساعدات الاغاثيه وتحويله الى حاله انسانيه غير تنموية .
وبالوقت التي قامت به دوله الاحتلال بفرض الوقائع على الأرض وتنفيذ منظومة من المعازل والتميز العنصري استمرت بجرائمها البشعة بحق الشعب افلسطيني أبرزها مجزره جنين عام 2001 في اطار عمليه السور الواقي الذي قام به جيش الاحتلال عبر اعاده احتلال الضفة ومحاصره الرئيس ياسر عرفات في مقر المقاطعه عقابه له على تمسكه بالثوابت الوطنيه عبر رفض مقترحات الرئيس كلينتون في كامب ديفيد عام 2000 .
استمرت دولة الاحتلال في عدوانها على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية فقامت بعدوان شرس على لبنان في عام 2006 وأقدمت على عدوانيين وحشين على قطاع غزه ,الأول في عام 2008-2009 والثاني في عام 2012 تحت مبررات وذرائع مختلفة من ضمنها ( حق الدفاع عن النفس) تجاه الصورايخ التي تطلقها فصائل المقاومه على اسرائيل واستكملت ذلك في عدوان لا زال مستمر الى الان على قطاع غزة في بدء أوائل يوليو 2014 .
جاء العدوان الحالي على قطاع غزة غير مفصولا عن الممارسات الاحتلال بالضفة وبعد فشل (مفاوضات السلام ) مع الرئيس محمود عباس برعاية وزير الخارجية الأمريكية جون كيري , حيث استثمرت دولة الاحتلال حادث فقدان ثلاثة مستوطنين في الخليل ونفذت عمليات واسعة أدت الى اعتقال المئات من بينهم أعضاء من المجلس التشريعي وبعضا من محرري صفقه شاليط , وفي سياق المزايدة مع عناصر يمنية متطرفة في الحكومة الاسرائيله وفي مقدمتهم ليبرمان وبينت اندفع رئيس الحكومة الاسرائيليه بنامين نتيناهو الى هجوم بربري على قطاع غزة ( مرة أخرى بحجة حق الدفاع على النفس ) ووقف اطلاق الصواريخ وهدم الأنفاق , وقام بتنفيذ مجازر بشعة ترتقي الى جرائم حرب وجرائم ضد الانسانيه حيث استشهد الى الان حوالي 1700 شهيد وجرح حوالي 8000 جريح جلهم من المدنيين حسب تقارير منظمات حقوق الانسان وثلثهم من الأطفال , كما تم تدمير حوالي 4000 منزل بصوره كاملة وثلاثون الف بصوره جزئيه الى جانب تدمير ابار المياه ومحطات الصرف الصحي ومحطة الكهرباء الوحيدة العامله وتم استهداف جميع مستشفيات القطاع وطواقم الاسعاف ومراكز الرعايا الصحية والعديد من المؤسسات الأهلية والمساجد وتم تهجير بصوره قصريه حوالي 300 الف مواطن يسكنون على الحدود الشرقيه والشمالية من قطاع غزة استضافت مدارس الأونروا منهم حوالي 161 الف والباقي توزع على أقارب ذوي الأسر المهجره .
واضح أن دولة الاحتلال تستخدم في حروبها وعدوانها على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية اسلوب استهداف المدنيين وذلك بهدف خلق الهوه ما بين الجماهير وقوى المقاومه , كما تحاول اشغال المواطنين بالقضايا الحياتيه الجزئية مثل مشاكل الغذاء والكهرباء والماء والصحة حتى لا يشكلوا حاضنه اجتماعيه لقوى المقاومه.
كما تستخدم اسلوب الأرض المحروقة والعقاب الجماعي وقد سبق ونفذت ذلك في بيروت ابان عدوان 2006 تحت عنوان (عقيدة الضاحية ) وسحبت ذلك على قطاع غزة في العدوان الراهن كما حدث في مجازر الشجاعيه ورفح وخزاعة وبيت حانون .
في ظل تعثر مفاوضات ( السلام ) أقدم الرئيس ابومازن على خطوات ذات مضمون سياسي ودبلوماسي بهدف تحسين موازين القوى الفلسطينيه ولارسال رسائل الى دولة الاحتلال والولايات المتحدة بأنه ممكن ان تكون هناك خيارات اخرى عد المفاوضات , لقد حصل في 29/11/2012 على الاعتراف بدولة فلسطين كعضو مراقب بالأمم المتحدة بأغلبية 138 دوله كما تم التوقيع بعد ذلك على الانضمام الى بعض المنظمات والمعاهدات الدوليه وذلك بهدف تعزيز مكانه فلسطين في المجتمع الدولي .
اعتبر الرئيس أبومازن بأن خطوة الانضمام الى ميثاق روما المنشئ لمحكمة الجنايات الدوليه خيارا ( نوويا ) حيث أنه يجب التهديد به عوضا عن ممارسته وبوصفه الخيار الأخير أي بعد نفاذ كافه الأساليب الدبلوماسيه والتفاوضية لإنهاء الاحتلال .
ان هذا التصور لدى الرئيس تم بالرغم من المطالب العديدة من الحركة السياسيه ومنظمات المجتمع الدولي بضرورة الانضمام الى هذه المحكمه بهدف ملاحقة مجرمي الحرب الاسرائيلين ولوضع حد لسياسة الافلات من العقاب خاصة اذا ادركنا ان هناك العديد من الوثائق الدوليه التي تثبت تورط دولة الاحتلال في جرائم حرب أبرزها تقرير جولدستون الناتج عن عدوان 2008-2009 والذي لم يتم استثماره آن ذاك من قبل القياده الفلسطينيه لإعطاء فرصه لمفاوضات انا بولس .
في اثناء العدوان االاسرائيلي المستمر على قطاع غزه برز امام شاشات التلفزيون العالميه ضلوع اسرائيل بجرائم حرب ترتقي الى الاباده الجماعية الأمر الذي دعا الى تصاعد الدعوات المطالبه للرئيس للانضمام الى محكمه الجنايات الدوليه خاصة اذا ادركنا ان مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة كان قد قرر ارسال بعثه تحقيق بصدد هذه الجرائم .
أحد المبررات الرئيسيه التي تساق امام عدم التوقيع وضرورة التأني تكمن في اهمية تكوين اجماع وطني فلسطيني تجاه هذه الخطوه حيث حذر البعض ومنهم د.رياض المالكي وزير الخارجية في الحكومة الراهنه بأن ذلك قد يؤدي الى اقتياد بعض قيادات وكوادر فصائل المقاومه الى ذات المحكمه ايضا في حالة التوقيع .
يذكر ان محكمة الجنايات الدوليه كانت قد تشكلت في يوليو 2002 وذلك بهدف ملاحقه من ثبت ارتكابهم لجرائم حرب وإعمال اباده وجرائم ضد الانسانيه , في ظل غياب العداله في المحاكم المحليه وهي هيئه مستقلة لا تخضع للأمم المتحدة وبغض النظر عن الجرم سواء بحق فرد او مجموعات واسعة من السكان فان المحكمه ملك صلاحية ملاحقة المتسببين بالجرم
قبل هذه المحكمه كانت الأمم المتحدة قد شكلت محاكم خاصة لقضايا محدده بذاتها وتنتهي هذه المحاكم بانتهاء مهامها بأنها لا تملك صفه الديمومة والاستمرار بخلاف هذه المحكمة التي تملك هذه الصفه .
عدم عضويه ايه دوله في هذه المحكمه لا يعفيها من ملاحقه مسئوليها اذا ما ارتكبوا جرائم لذلك فان عدم عضويه اسرائيل لا يحصنها من الملاحقه .
تكمن المشكله في موضوعة الانضمام الى المحكمه بان الحساب يتم بعد القبول الرسمي الذي يلي تقديم الطلب بشهرين وبالتالي لا يمكن المحاسبه على الجرائم التي انتهكت قبل تاريخ قبول العضويه للدولة المحدده .
وعليه فان قبول عضويه دولة فلسطين اذا ما قررت الانضمام لا يؤهلها لمسألة وملاحقة مجرمي الحرب الاسرائليين تجاه الانتهاكات التي تمت قبل الاعلان الرسمي عن قبول العضويه .
من هنا فان الاسراع بالانضمام يشكل ضرورة لصيانة مزيد من دماء الضحايا والأبرياء ولردع اسرائيل عن الاستمرار في جرائمها المنهجيه المنظمه بحق الشعب الفلسطيني في سياق ارهاب الدوله المنظم الممارس من قبلها وبهدف كي الوعي الفلسطيني وخلق قناعه جمعيه باستحالة مقاومة الاحتلال ولاخضاع الشعب الذي يملك قضيه اخلاقيه عادله بالعيش وفق شروط الاحتلال أي في اطار المعازل والبانتوستانات .
لقد استطاعت دوله الاحتلال وعبر نفوذ اللوبي الصهيوني وبضغوط من الولايات المتحدة من تغير بعض القوانين في بلدان اوروبا التي تسمح محاكمها الداخليه بملاحقه مجرمي الحرب لقد حدث ذلك في كل من بلجيكا وبريطانيا واسبانيا حيث اتخذوا قرارات تحول دون متابعه الطلبات الراميه لملاحقه بعض قاده الاحتلال على جرائمهم تجاه قطاع غزة .
ان الانضمام لمحكمة الجنايات الدوليه يجب ان يكون خطوه لا تحتمل التأجيل حيث ان جرائم الاحتلال مستمرة ومتواصلة وأبرزها الاستيطان الذي يشكل جريمة حرب مستمرة وفق القانون الدولي والذي يحظر نقل سكان دوله الى دولة اخرى بهدف تغير معالمها الجغرافيه والديمغرافيه حيث يتم نقل السكان من دوله الاحتلال الى اراضي الضفة الغربيه بهدف تغير معالمها كما ان الجدار يعتبر غير شرعي كما برز من خلال فتوى محكمة لاهاي في 9 يوليو 2004 .
وإذا ادركنا ان دوله الاحتلال تعيش على العدوان والاضطهاد ضد الشعوب الأخرى وخاصة ضد شعبنا الفلسطيني اذن فهي ستسمر بجرائمها بحقه , ولعل منظمات حقوق الانسان استطاعت توثيق معظم تلك الانتهاكات التي تمت والتي من الهام ان تشكل ماده خصبه لدى صناع القرار لاستخدامها باتجاه ملاحقة قادة الاحتلال وعدم السماح بتكرار سياسة الافلات من العقاب .
ان واحده من القضايا التي شجعت دولة الاحتلال على ارتكاب الجرائم البشعة بحق شعبنا في قطاع غزة في هذا العدوان المستمر هي سياسة الافلات من العقاب وعدم المحاسبه الأمر الذي يتطلب العمل على ردع المسئولين عن هذه الانتهاكات .
بالنسبة للمحاذير فهناك تأصيل قانوني يؤكد انه لا يوجد حق (للدفاع عن النفس ) بالنسبة لدوله تمارس الاحتلال والعدوان على شعب تحتله كما تفرض حصارا جائرا عليه يندرج في اطار العقاب الجماعي وتدفع كافة فئاته الجماعية لحالة الموت البطيء .
وعليه فان مقاومة الاحتلال في كافه الأشكال هي حق وواجب حسب الاعلان العالمي لحقوق الانسان .
من هنا فان المحاذير غير ذات صله لأن شعبنا يمارس أشكال المقاومه المختلفة في مواجهه دولة احتلال تمارس عدوانا وحصارا الأمر الذي يعكس أن أشكال المقاومه العنيفة باعتبارها حق لشعبنا بالدفاع عن نفسه من أجل التحرر من ظلم الاحتلال والعدوان والحصار .
وعليه فحسب العديد من الاجتهاد فان المخاطر على الحركة الوطنيه وقوى المقاومه لن تكون كبيره ويجب عدم المبالغه بها لأن المعتدي هو الاحتلال والمقاومة تمارس الحق في الدفاع النفس من اجل الحرية والاستقلال .
لا ينبغي التأخير بالانضمام الى هذه المحكمه التي ربما سيقوم اللوبي الصهيوني وبضغوط من الاداره الأمريكية بتغير بعضا من قواعدها ولكن هذا الانضمام سيشكل بالتأكيد وسيله لردع العدوان وعدم استمرارية وسيساهم في تعديل موازين القوى لصالح شعبنا الذي مازال يخوض معركة التحرر الوطني والديمقراطي .
انتهى