خبر : مفاوضات القاهرة: الاحتلال أولاً وأخيراً ...بقلم: عاطف أبو سيف

الإثنين 18 أغسطس 2014 09:53 ص / بتوقيت القدس +2GMT
مفاوضات القاهرة: الاحتلال أولاً وأخيراً ...بقلم: عاطف أبو سيف



فيما تنطلق مفاوضات القاهرة مرة اخرى بعد عطلة نهاية الاسبوع، فإن المرجح ان الفلسطينيين بحاجة لتطوير استراتيجيتهم بشكل اكبر حتى لا تقوم إسرائيل باستنزاف وقت اكبر في التفاوض على مطالب وحقوق كانت قد فاوضت عليها في السابق وابرمت بشأنها اتفاقاً. هذه الاستراتيجية يجب ان تتخلص من عبء التفاوض تحت نيرات العدوان على غزة، بل وتتحرر من هاجس العدوان ذاته. إن إحدى أهم الملاحظات حول اداء الفصائل بشكل عام هو التركيز على ان هناك عدواناً يجب وقفه والتفاوض على الشروط والظروف التي يمكن لها أن تقود لذلك. فيما في الأصل أن هناك احتلالاً إسرائيلياً للأراضي الفلسطيني يجب ازالته. صحيح أنه فيما تعمل آلة القتل والتدمير ترسانتها ضد أبناء شعبنا فإن هاجس وقف العدوان وشلال الدماء وهدم الأخضر واليابس يظل ملحاً حماية للشعب والأرض، ولكن ثمة اوقات يجب فيها عدم نسيان البوصلة التي تشير إلى جوهر الأشياء.
ما أقصده أنه طالما حدث التفاوض فكان يمكن توسيع فوهة اللهب وإعادة المطالب للفكرة الحقيقة وليس لردة الفعل. فما لم ينته الاحتلال وما لم تعلن دولة فلسطين المستقلة على الجزء المتاح من أرض الآباء والاجداد، فإن بناء ميناء ومطار وطرقات ومشاريع سيكون مجرد رسومات جميلة في دفتر طفل مشاكس قد يمحوها في لحظة. يذكرني ما يجري الآن في القاهرة بخطة الدكتور سلام فياض رئيس الوزراء السابق التي يمكن وصفها أيضاً بالطموحة حول بناء المؤسسات وتجهيز بنية الدولة الفلسطينية حتى تصح امراً واقعاً وبالتالي نقول للمجتمع الدولي لدينا دولة ولكن لدينا احتلال. الخطة الطموحة التي وضعت الاحتلال في الصف الثاني بدلاً من وضعه شرطاً يجب ازالته لم تؤت ثمارها رغم أن في جوهرها مفاهيم تستحق التطوير . في ذلك الوقت قلت وعلى صفحات "الأيام" ان الاحتلال اولاً وعاشراً واخيراً. لأنه دون العمل على إزالة الاحتلال فإن أي تفاصيل أخرى تتحول مع الزمن إلى صراع على شروط الاحتلال تحسينه وتكييفه والحد من الآلام المصاحبة له. إن قتل التنين لا يمكن ان يتم بقص أذرعه تدريجياً لأنه سيظل قادراً على القتل دائماً ما لم يمت التنين. والاحتلال أمر شبيه بذلك هو بحاجة لإزالة بشكل كامل.
لذا وجب منذ البداية النظر إلى المطالب الفلسطيني من جهة كيف يمكن لها أن تكون جزءاً من استراتيجية وطنية عامة لأنهاء الاحتلال. ما جري في غزة (لابد أن أحدهم يقول بل "ما يجري" ) هو اعتداء علي شعب أعزل صحيح انه قاتل ببسالة لكنه تعرض لاعتداء وقتل للمدنيين والاطفال وهدم للبيوت بوحشية وهمجية غير مسبوقة، وبالتالي فهو لم يكن صراعاً بين قوتين. فقتال الشعب الفلسطيني ضد الاعتداء هو نضال من أجل الحرية وكفاح وطني تحرري وبالتالي كان على المطالب أن تضع الأمر ضمن هذا الفهم، ويصار إلى التأكيد على ضرورة التحرر من الاحتلال.
فالميناء إذا لم يكن ضمن فهم فلسطيني إلى كونه رمزاً من رموز السيادة الوطنية، فإنه لن يكون ذا قيمة لأن التفكير في كيفية نقل البضائع بطريقة آمنة ومستدامة عبر وسيلة أخرى لا تكون تحت سيطرة الاحتلال، وإذا لم يكن مفتوحاً لاستخدام الفلسطينيين وليس "الغزيين" فهو أيضاً لن يكون ذا قيمة سياسية وسيادية بل إنسانية. الأمر ذاته ينسحب على المطار حيث يجب أن يكون مطار الفلسطينيين وليس مطار غزة. إن الخطورة هو في النظر إلى هذه المطالب السيادية الهامة من زاوية أنها لتخفيف الحصار عن قطاع غزة وفتح القطاع بصورة أفضل للتواصل مع العالم الخارجي، حيث أن التعامل مع الصراع مع الاحتلال بوصفه جملة من شروط الحياة التي يصار إلى تحسينها حتى لو باستخدام السلاح والقتال او إلى مصادرتها كما يفعل الاحتلال لا يخدم المصالح الاستراتيجية للفلسطينيين. إنه ذات الفهم المؤسس لوعي إسرائيل ومقارباتها للصراع ومعالجاتها له.
وكما يقول مثل جداتنا يجب إرجاع العجل لبطن امه. بمعني العودة في الصراع إلى الأصل. فالأصل هو الاحتلال وما نجم عنه وبالتالي يجب التعاطي مع العدوان على غزة بوصفه جزءاً من عدوان أكبر وأشمل يجب ازالته، ويجب الحذر من التعاطي بالقطعة مع الصراع، بمعني أن هذه مشكلة غزة الآن وغزة بحاجة لمطار وميناء ومعبر من أجل أن يتمكن سكانها من الحركة بحرية. لقد كان لغزة مطار يربطها بالعالم كله وكانت الجرافات قد بدأن بتسوية الميناء وكنا قاب قوسين أو أدني من إبحار أول سفينة فلسطينية (ربما منذ إبحار سفن أجدادنا الفينيقيين لنقل العلوم والأبجدية للعالم) وكان معبر رفح يعمل ليل نهار. ما أقصده ان هذا ليس باب القصيد في النضال الوطني، وأنه ما لم يكن هناك رؤية واستراتيجية موحدة وذات بعد ثاقب فإن الامر لا يعدو كونه صراع السجان لتحسين شروط الاعتقال وليس كسراً لبوابة السجن والخروج، ولا بد أن أسرانا ومحررينا البواسل يعرفون الفرق جيداً. فقد تكون هذه التحسينات مهمة وحيوية لكنها لا تغني عن الحرية.
إذا، فإن العمل على ازالة الاحتلال يجب أن تكون أساس التركيز الفلسطيني. فلو قلنا إن الهدنة لن تتم حتى يزول الاحتلال فإن المطار والميناء والمعبر وملايين الأشياء الاخرى ستكون تحصيل حاصل ولن يكون الغوص في التفاصيل مهماً وقتها، إذ أن مجرد زوال الاحتلال يعني أن ليس من حقه ان يفاصلنا في طول الرصيف البحري أو سعة سفن الشحن وآليات الرقابة عليها. والامر ذاته يصح على كل الأشياء الأخرى. جزء من المعركة أيضاً هو تحميل المجتمع الدولي مسؤوليته عن الجرائم التي ارتكبها بحق الشعب الفلسطيني حين منح أرضهم لمهاجرين غير شرعيين، وعليه إذا ان يقول لنا متي سينتهي هذا الاحتلال ويشمر عن ساعديه لتفعيل كل الوسائل الممكنة من العقوبات إلى التدخل من اجل ذلك. صحيح ان ميزان القوى الدولي لا يسمح ولكن يجب أيضاً الضغط على الاشقاء العرب لتفعيل المقاطعة العربية للقوي الكبرى التي تخل بميزان العدل في مؤسسات المجتمع الدولي. أشياء كثيرة يمكن قولها هنا من تطوير مقاومة الاحتلال المباشرة إلى الصراع مع الأشقاء العرب حول الانتقال من المشاهد إلى اللاعب إلى الاشتباك في الساحات الدولية، ولكنها كلها بحاجة لاستراتيجية موحدة وليس التعامل بتفاوض مؤسس على ردات فعل.