خبر : بعد ثني طرفي الرمح من الشمال والجنوب : الحسم الآن من الوسط ...بقلم: حسين حجازي

الأحد 17 أغسطس 2014 08:23 ص / بتوقيت القدس +2GMT



كانت الخنادق هي الحيلة المبتكرة التي لجأ اليها مقاتلو الفيتكونغ للتغلب على اختلال التوازن في القوة بينهم وبين الامبراطورية الاميركية في ذروة تمددها . والواقع انه ما كان من خيار اّخر غير هذه العودة او اللجوء الى الام الارض، عبر حفر هذه الاكواخ او الكهوف الصغيرة تحت الارض , او على حواف البحيرات والانهار للاحتماء بها او التخفي , اتقاءا لحمم الجحيم من القصف البساطي الذي كانت تقوم به الطائرات الاميركية العملاقة القاذفة بي52 .
ان الحلول البسيطة التي تقوم على الخيال والابتكار غالبا ما تكون هي الجواب، جواب الجيوش الصغيرة على جيوش الفيلة الكبيرة , وحيث افكار صن تزو ذاك المنظر الحربي العبقري , وليس قواعد الاستراتيجية التقليدية هي الملهمة في هذا المجال . حينما تكون الحرب التي تخاض تتم بين جيوش غير متكافئة .
وهكذا لعلني اضع خطا تحت هذه العبارة من كتاب صن تزو عن فن الحرب , باعتبارها مثلت مفتاح النصر في هذه الحرب الاخيرة : " من كانت طاقتهم الكامنة كالوتر المشدود على اّخره " . وهي العبارة التي كنت هنا عشية بدء هذه الحرب قد انهيت بها مقالي , حين كان واضحا لكل من له عين ترى واذن تسمع وحدس سياسي غير مشوش , ان هذه هي الوضعية الحالة التي يقف عندها الفلسطينيون ليس في غزة فقط ولكن في الضفة واراضي العام 1948 . وجاءت شرارة الحرب على غزة لتفجر هذه الطاقة الكامنة الراقدة كزلزال عظيم , تماما في التوقيت نفسه الذي بلغت فيه الفاشية الدينية والايدولوجية ذروة تصاعدها في اسرائيل . وبدا ان اقصى الاعتدال الفلسطيني المتمثل بخيار التفاوض السلمي الاحادي قد بلغ منتهاه .
هكذا كان لا بد ان يحل التناقض الازمة في غزة، حيث على السيف ان يواجه السيف وحتى على الدم والروح ان ينتصر على هذا السيف , لكيما يكوى الوعي بالنار ويكون الحل بالاخير للاعتدال والعودة الى هذا الاعتدال، عبر تمريغ انف التطرف اليميني الفاشي في اسرائيل في التراب الغزي .
لقد كان عليهم ان ينتصروا من بين ركام حطام البيوت المدمرة وقوافل الشهداء وانين جرحاهم , لان حكمة التاريخ هي التي ارادت ذلك , اذا كان من غير الممكن استمرار بقاء الوضع الذي كان سائدا على حاله . وكان لا بد من تفريغ هذه الازمة وانه ليس سوى غباء واّفة غرور القوة , الاّفة التي افترست اّخيل ونابليون ويوليوس قيصر من قبل , اي التفاخر بالقوة , مايقابلها بل ويباغتها هذا التربص الفطين , اي الجزء الالهي غير المحسوب من الخطة . الخدعة او المناورة غير المتوقعة للخصم .
لقد ذهبوا في المرتين السابقتين كما قيل كل سنتين مرة لاجل قص العشب والحشائش الزائدة ، لتقليم الاظافر الغزية , ولكن كما حدث العام 2006 مع حزب الله في جنوب لبنان لم يجدوا الحشائش , ولكن الاعشاش المخبأة تحت الارض التي تنقض عليهم , ولعل حسن نصر الله الذي طالما لعب هذه اللعبة التي اسماها المفاجاّت، قد فوجئ هو نفسه بها، وهنا كانت المقارنة تعطي التفوق لحماس , حينما بدا ان اسرائيل المتطرفة بالقوة وجنون القوة، هي التي تذهب الى الحرب مستهترة دون ان تتعلم بالمناورة القديمة العتيقة، فيما المقاومة الغزية هي التي تذهب الى الحرب وميدان القتال متسحلة بمناورة جديدة مبتكرة , ملقية بمفاجأة الانفاق اي الخنادق المتطورة على الطاولة، وتحويل هذا النوع من الدفاع التقليدي في السابق والذي كان يقتصر على اظهار الصمود والصد , الى نوع من الدفاع الهجومي دون انتظار تقدم العدو وانما مناوشته ومباغته من وراء خطوطه . واقرب ان تكون الى استراتيجية القنافذ للانقضاض على الخصم عبر هذه اللسعات , فيما يشبه حرب الاشباح .
لقد كانت لحظة الحقيقة بعد ستين عاما من تفوق اسرائيل العسكري ومواصلة هذه الحروب الهجومية التوسعية , ان الخط البياني الذي يشير الى ان حرب حزيران 1967 , كانت ذروة الصعود الى قمة التل , فأنه يمكننا اليوم الاشارة الى ان حربي العام 2006 مع حزب الله و2014 مع حماس الى نقطة الهبوط النزول الى اسفل سفح هذا الجبل , وان اسرائيل التي هي فلسطين الاصلية في خارطتها الجغرافيا على هذا الساحل المتوسطي , والتي تشبه الرمح , قد تم اذابته وثنيه من طرفيه الشمالي والجنوبي . ولكن لما كان من الصعب حسم الحرب مع اسرائيل حتى عبر هذه الاذابة , او الثلم المتبادل لطرفي رأسي هذا الرمح من اطرافه العليا والسفلى , من الشمال والجنوب . وانما في هذه الحالة يجب هزه او كسره او خرقه من الوسط . فهيا نفهم الاّن ان حسم المعركة لن يكون في غزة وانما من الضفة وربما اراضي العام 1948 .
وهذا هو اذن باختصار قوام النصر الغزي او مأثرة المقاومة والدور الحمساوي لكتائب القسام في غزة , انها باختصار حرب تشرين 1973 التحريكية الثانية التي قدمتها حماس بانجازها العسكري الباهر , لتقديم رأس نتنياهو على طبق من فضة لجون كيري وباراك اوباما وابو مازن على حد سواء , لثني اسرائيل من وسطها اي في الضفة , وان هذا وحده ما يفسر لنا اليوم الازمةغير المسبوقة بين الادارة الاميركية والرجل، التي تعيد الى الاذهان موقف الرئيس الاميركي ايزنهاور العام 1956 , فقد كان يجب ضرب اسرائيل وهز غرورها وغطرستها في الرمال الغزية , لكيما يسهل الاّن جرها عنوة للشرب من البئر . هذه حرب تحقيق السلام لفلسطين كما تنفيذ شروط هذا السلام ليس لغزة فقط وانما للدولة الفلسطينية التي يبدوا ان قيامتها قد اقتربت الاّن .