يعتبر الرئيس أوباما من أكثر الشخصيات العالمية تفهماً للقضية الفلسطينية. كإنسان، ينتمي لأقلية عرقية عانت من التمييز العنصري خلال مرحلة من تاريخها، هو يدرك معنى أن يتم إضطهاد الشعب الفلسطيني وتهجيرة. بصفته محامي ومدافع عن حقوق الإنسان يدرك أيضاً أن القانون الدولي والإنساني يقف الى جانب الشعب الفلسطيني. وكمحاضر في جامعة شيكاغو وعلى علاقة مع مجموعة من الأكاديميين الفلسطينيين يدرك أيضاً تفاصيل وجوانب في القضية الفلسطينية ربما لم يدركها غيره من الرؤساء الأميركيين. لكنه ومنذ أن أصبح رئيساً للولايات المتحدة، أدرك حقيقة أخرى، هي محددات حركة وإستطاعة الرئيس، أي رئيس، في الملف المتعلق بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.
لم يأتِ هذا الإدراك دفعة واحدة كما يبدو ولكن على مراحل. في المرحلة الأولى تمسك الرئيس أوباما بقناعته أن على إسرائيل أن توقف الإستيطان إذا ما أرادت سلاماً متفاوضاً عليه مع الفلسطينيين، لكنه تراجع عن ذلك بعد أن فشل في إقناع قادة إسرائيل بذلك. ربما يكون الأسوأ أنه إكتشف إستحالة الضغط على الجانب الإسرائيلي لما له من تأييد لا يتمتع به هو داخل مؤسسات صنع القرار في أميركا.
في الكونغرس الأميركي هنالك حالة تصل أحياناً الى حد الإجماع على تأييد إسرائيل في كل ما تفعل أو تطلب أو تقول. في الإعلام الأميركي لا يجرؤ أحد على إنتقاد إسرائيلي إلا إذا كان يهوديا أميركيا. وفي الحزبين الديمقراطي والجمهوري حجم المؤيدين لإسرائيل يتفوق على حجم المؤيدين للرئيس نفسه. حالة الإجماع على تأييد إسرائيل داخل الكونغرس وفي الإعلام وداخل الحزبين حولت القضية الفلسطينية من مسألة تتعلق بالسلام العالمي والأمن القومي الأميركي الى مسألة إسرائيلية داخلية من حق إسرائيل وحدها أن تقرر ما تراه بشأنها.
ساهم في تكريس هذا الفهم عدم تحديه من قبل النظام العربي الرسمي. بمعنى عدم محاولة النظام العربي الرسمي خلال العقود السابقة الضغط على صانعي السياسة في الولايات المتحدة سواء من خلال التهديد بسحب الودائع أو وقف التعامل التجاري او غيرها من أشكال الضغط، رسخ قناعة المسئوليين الأميركيين بأن إعتبار القضية الفلسطينية شأن داخلي إسرائيلي مسألة غير مكلفة بالنسبة لهم.
تتجلى حقيقة تحول القضية الفلسطينية من مسألة لها علاقة بالقانون الدولي والإنساني وقضية أمن وسلام عالميين الى مجرد ملف يخص إسرائيل وحدها في ثلاثة مظاهر:
الأول أن جميع الرؤساء الاميركيين لا يتحدثون عن مبدأ إنهاء الإحتلال من باب تعارضه مع القانون الدولي وأن بقاء الأراضي التي إستولت عليها إسرائيل خلال حرب العام 1967 تحت الإحتلال وإخضاعها للإستيطان وضم أجزاء منها هو مخالف لقرارات المنظمات الدولية بما فيها مجلس الأمن، ولكنهم يتحدثون عن تأثير بقاء هذه الأراضي والسكان العرب الذين يعيشون عليها على مستقبل "يهودية" و"ديمقراطية" إسرائيل. بمعنى آخر، إنهم يحاولون إقناع قادة إسرائيل بأن الإحتفاظ بهذه الأراضي يؤثر على إسرائيل سلباً ولذلك عليها أن تتخلى عنها أو أجزاء منها.
لكن الأسوأ من تجاهل مخالفة إسرائيل للقانون الدولي، وتجاهل حق الشعب الفلسطيني التاريخي في أرضه، أن هذا التوجه يتم ترجمته من قبل الرؤساء الاميركيين، ودائماً، بهدف إقناع إسرائيل بدلاً من الضغط عليها، بأن بإمكانها إحداث المقاربات الامنية والجغرافية التي تناسبها من أجل تحقيق السلام. وهو ما يعني إعطاء إسرائيل لوحدها الحق في تقرير الأجزاء التي ترغب بالتخلي عنها من الأراضي الفلسطينية لحساب الدولة الفلسطينية. وإعطائها الحق لوحدها في تقرير الحل المتعلق بقضية اللاجئين.
الثاني هو إخراج القضية الفلسطينية من مسألة مرتبطة بالقانون الدولي وإخضاعها لحسابات الأمن الإسرائيلي. لذلك بينما يقر القانون الدولي بأن أي شعب خاضع للإحتلال من حقه مقاومة من يحتله، تم ربط الإعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية بإدانتها وتخليها ليس عن "الإرهاب" وهو مفهوم خاضع للجدل، ولكن بنبذها للعنف. بمعنى حتى إدانة منظمة التحرير للإرهاب وهو قتل المدنيين أو محاولة قتلهم، لم يكن كافياً للإعتراف بالمنظمة وكان عليها أن تنبذ العنف، والمقصود هنا المقاومة، من أجل الإعتراف بها. ولإخضاعها أكثر للحسابات الأمنية الإسرائيلية تم وضع خارطة طريق لم ينفذ منها إلا الشق الامني المتعلق بحماية أمن الإحتلال من قبل ضحاياه، بينما لم يكترث أحد بمسألة وقف الإستيطان وإنهاء المفاوضات خلال فترة زمنية محددة، او حتى أمن الضحايا أنفسهم، وهي المسائل التي بررت للقيادة الفلسطينية قبولها بخارطة الطريق.
إخضاع القضية الفلسطينية للحسابات الامنية الإسرائيلية هو الذي يجعل من مقتل ما يقارب من ألفي مدني فلسطيني وعشرة آلاف جريح فلسطيني، وتحويل 1.8 مليون فلسطين الى سجناء مسألة عادية لا يُقدم مرتكبوها الى محاكم دولية ولا يتم فرض عقوبات سياسية أو إقتصادية على الدولة التي إرتكبتها. والأسوأ هو إستخدام هذا الفهم أو بالأحرى هذا "الإخضاع" لتشجيعها على إرتكاب المزيد من الجرائم بفتح مخازن الأسلحة لها خلال عدوانها وتقديم الاموال لها للإستمرار فيه. وهذا "الإخضاع" هو الذي جعل من شروط الرباعية قيداً مانعاً للتقدم في طريق توحيد القوى الفلسطينية أو توحيد غزة والضفة لسبعة سنوات.
الثالث أن ملف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وأيضاً بهدف إقناع إسرائيل بقبول تسوية ترضى عنها مع الفلسطينيين، لا يدار من قبل سياسيين محايدين في الإدارة الامريكية أو من قبل وزارة الخارجية الامريكية، ولكن دائما من خلال مبعوثين رئاسيين للشرق الاوسط لهم مواصفات محددة أهمها أن يكونوا على علاقة قوية مع اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة.
لذلك نلاحظ مثلاً أن هذا الملف، الملف الفلسطيني، لم يبتعد خلال ما يقرب من ربع قرن عن شخصيتين إثنتين: دنيس روس ومارتن إندك. الإثنان عملا على قاعدة إقناع إسرائيل بأن السلام مع الفلسطينيين أفضل لها، لكن مقارباتهم دائما كانت على حساب القضية الفلسطينية ولصالح إسرائيل وتنطلق من المصالح الامنية الإسرائيلية والتوازنات السياسية الإسرائيلية الداخلية ولا تنطلق من القانون الدولي نفسه، أو حتى من حساب المصالح الامريكية نفسها.
أوباما يريد حلاً للقضية الفلسطينية لكنه مكبل بحقيقة أن القضية الفلسطينية أصبحت في نظر المؤسسات الأميركية قضية خاصة بإسرائيل لا يجب الإقتراب منها ومن يفعل ذلك عليه يدفع ثمن سياسي مرتفع، وهو لا يرغب بدفع هذا الثمن. ربما في ذلك مؤشر الى ما يجب أن يفعله الساسة الفلسطينيون.


