كادت الحرب تندلع مجددا، ليلة أول من أمس الأربعاء، وذلك قبل انتهاء مدة الهدنة الإنسانية الثانية، والتي يتم خلالها، إجراء المفاوضات غير المباشرة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي عبر الوسيط المصري، حين أعلنت إسرائيل، وكذلك أوساط فلسطينية أن الجولة التفاوضية قد انتهت دون التوصل إلى اتفاق، حيث انطلقت على الفور ـ حسب وسائل الإعلام ـ ثلاثة صواريخ من غزة باتجاه جنوب إسرائيل، ولولا الإصرار المصري على متابعة التفاوض الذي رغم جديته إلا أنه يبدو صعبا وشاقا، وهذا ما كان أعلن عنه المشاركون فيه، ومنذ البداية، لولا الإصرار المصري على المتابعة حتى يتم الاتفاق، على ورقة مصرية معدلة، لكانت المواجهة العسكرية قد تجددت.
المفاجئ في الأمر، ان الصواريخ الثلاثة التي أطلقت لم تنتظر مدة ساعتين فقط، حتى تنطلق فيما بعد زمن التوافق على الحلقة الثانية من الهدنة الإنسانية، وفي هذا ما يثير الغرابة والاستغراب، وكأن هناك من ينتظر على أحر من النار "فشل" التفاوض، ليجدد الحرب، أو أن هناك من لا يرغب أصلا في التوصل إلى اتفاق، أيا يكن شكله ومضمونه، وما يؤكد غرابة الأمر، رغم احتمال استخدام عملية الإطلاق كورقة ضغط على الجانب الإسرائيلي، الذي يحبذ ـ كما هو حاله دائما ـ أن يتواصل في متوالية التفاوض بوقت غير محدد، ودون ان يتوصل الى حل وسط، أو الى أي حل ممكن، انه بعد دقائق كانت الأطراف تعلن عن التوصل الى هدنة ثالثة مدتها خمسة أيام، أو 120 ساعة، ثم كان الوفد الفلسطيني "الموحد" يتوزع على ثلاث مدن عربية، هي الدوحة وبيروت ورام الله، بما يشير الى أن مركز القرار الفلسطيني، ورغم انه يبدو موحدا، وهو كذلك في الإطار العام، أي على المطالب العامة المعلنة، لكنه في التفاصيل غير ذلك، بل ربما كان القرار الحقيقي حتى ولا في أي واحدة من تلك العواصم، ربما كان في مكان ما من غزة نفسها!.
ومعروف أن التفاوض، خاصة من جانب الإسرائيليين، يخوض في التفاصيل من جهة، ومن جهة ثانية، حتى يكون هناك اتفاق بين المتحاربين، بعد جولة من المواجهة، غير الحاسمة، التي لم ينتصر فيها طرف بشكل ساحق على الطرف الآخر، بما يمكنه من فرض شروطه، لابد وان يكون على شكل حل وسط، أي لا أحد يتوقع ان يفرض طرف مطالبه أو تصوره على الطرف الآخر.
على كل حال، وحيث ان الحديث يجري الآن، عن حل متتابع، تصنعه مفاوضات متواصلة، وبالتحديد عن حل من مرحلتين: الأولى ـ تتضمن التوصل الى وقف لإطلاق النار، ويتضمن مظاهر لتخفيف الحصار، حتى لا يقال وفق صيغة هدوء مقابل هدوء، او وفق تهدئة 2012، وبعد شهر، تبدأ مفاوضات، ربما تكون جزءا او حتى مدخلا للمفاوضات المتوقفة أصلا بين السلطة وإسرائيل، وتشمل بنود: مبادلة جثث الإسرائيليين بأسرى شاليت، والدفعة الرابعة من أسرى ما قبل أوسلو، كذلك المطار والميناء، والممر الرابط بين غزة والضفة، وهذه كلها ملفات كانت ضمن اتفاقات السلطة وإسرائيل السابقة، حيث كان هناك مطار يعمل، فيما كان هناك اتفاق على الميناء، وما إلى ذلك.
المهم أن حديث كسر الحصار، الذي طالما طالبت به "حماس" خلال سبع سنوات مضت، يثير السؤال الجوهري، الخاص بتنفيذ الانقلاب العام 2007، فخلال سبع سنوات من ذهاب "حماس" لخيار الانقسام والتفرد بحكم غزة، لم تحقق لغزة بالذات سوى، حصار متواصل ومحكم، مع ثلاث حروب مدمرة، وكل ما يصبو إليه الجميع الآن هو العودة الى ما كان عليه الحال قبل تلك السنوات السبع.
ويمكن هنا ان تتحول المفاوضات، والتي هي الآن تجري بموافقة جميع الفصائل، على عكس الفصل التفاوضي السابق، بما يعني، ان فرصته في التثبت الميداني إنما هي فرصة حقيقية، على غير ما كان عليه حال أوسلو، الى تثبيت سلطة السلطة على غزة، ومتابعة مفاوضات كان يجب ان تكون العام 2005، لتعديل خطأ الانسحاب أحادي الجانب الذي اقدم عليه أريئيل شارون، وكذلك تعديل نكوص السلطة عن إعلان غزة محررة، والذهاب لاتفاق كونداليزا رايس، الخاص بمعبر رفح، بدلا من ذلك.
يمكن لغزة، ان تعلن أرضا محررة من دولة فلسطينية تشمل الضفة والقدس وغزة، تحت الاحتلال، والتي هي عضو مراقب في الأمم المتحدة، ويمكن ان يتم التوصل الى اتفاق سلام حول غزة مع إسرائيل، يصلها بالمياه الإقليمية، من خلال ميناء دولي أو أكثر وكذلك مطار دولي ومعبر دولي، هو رفح، وإغلاق المعابر مع إسرائيل، مقابل تحويل "القسام" و"السرايا" وكتائب الأقصى الى نواة الجيش الوطني، الذي يدافع عن حدود الأرض المحررة من العدو الخارجي، ولا ننسى ان مثل هذا الأمر حدث بعد نكبة العام 1948 حين أعلن احمد حلمي حكومة عموم فلسطين في غزة، وكان هذا حال فيتنام حين كان جنوبها محتلا، وكانت حكومتها تقيم نظامها المستقل في الشمال، فيما قوات التحرير الشعبية "الفيتكونغ" تقاتل مع حكومة الشمال الاستعمار الأميركي، وقوات الجنوب العميلة، الى ان حققت الانتصار.
ويمكن لغزة أن تذهب مع إسرائيل الى اتفاق حسن الجوار وفق احد نموذجين: عبر اتفاق سلام كما هو حال مصر والأردن، أو دونه لكن مع اتفاق او توافق على هدنة او تهدئة، كما هو حال لبنان وسورية، حيث ان وجود "حزب الله" في لبنان وخاصة في الجنوب، أي على الجانب الآخر من الحدود الشمالية لإسرائيل، لم يمنع من تحقق الهدوء الأمني على تلك الحدود منذ العام 2006 وحتى الآن، أي منذ حرر الحزب الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي وعملائه من أنصار لحد.
Rajab22@hotmail.com


