خبر : مستعدون للتعامل مع كل الخيارات .. طلال عوكل

الخميس 14 أغسطس 2014 10:32 ص / بتوقيت القدس +2GMT
مستعدون للتعامل مع كل الخيارات .. طلال عوكل



بعد شهر كامل من العدوان الإسرائيلي البشع على قطاع غزة، والتصدي الباسل والمدهش للمقاومة، والالتفاف الوطني والشعبي، دخلت إسرائيل معركة أخرى كبرى مع الرأي العام العالمي، لا تنفع في مواجهتها كل آلة الحرب الإسرائيلية ولا يمكن لإسرائيل أن تنتصر فيها.

أهل قطاع غزة، الذين صرخوا خلال مجريات العدوان "يا وحدنا"، لم يعد لديهم ما يخسرونه سوى الذل والمهانة، وقسوة الحصار، ونكد الحياة التي كابدوها لسنوات طويلة سابقة.
حتى الآن يجري الحديث عن أكثر من عشرة آلاف جريح، وما يقرب من ألف شهيد، وعن أكثر من عشرة آلاف منزل مدمر كلياً، وأكثر منها مدمرة جزئياً، كما يجري الحديث عن ما يقرب من نصف مليون متشرد في أماكن الإيواء، وعند الأقارب والمعارف، والمتكافلين. لم يتبق شيء للفلسطيني يخشى عليه، ولذلك، وبالرغم من الألم الشديد، فإنهم مستعدون للمتابعة ما لم يحققوا، ما يجعل قطاع غزة، مكاناً صالحاً للحياة، بخلاف ما هو عليه اليوم، أو ما سبق أن كان عليه.
إذا وقع اتفاق يلبي الحقوق والمتطلبات، بل الاستحقاقات التي يحملها الوفد الوطني الفلسطيني الموحد، فهذا جيد، ويشكل جزءاً يسيراً من تعويض الناس عما بذلوه حتى الآن، أما ان لم يحصل لذلك، فإنهم على استعداد للمتابعة، ولتكن معركة استنزاف طويلة، تتهرب منها إسرائيل، لا لأنها غير قادرة على التعامل معها، بل لأنها ستقيم الدنيا ولا تقعدها على إسرائيل، وكل إسرائيلي ساهم في العدوان أو ناصره. على إسرائيل والعالم أن يصدقوا ما يُسمع على ألسنة المواطنين الذين تجري الفضائيات معهم، مقابلات للتعبير عن مشاعرهم ومواقفهم إزاء كيفية التعامل مع العدوان.
يتوحد الفلسطينيون بأفضل صور الوحدة، في ظل نزيف الدم المدرار الجاري، يتوحدون في كل مكان من هذا العالم، كما كانوا يفعلون دائماً حين تقع الواقعة، يتوحد الفلسطينيون بالرغم من خيبة الأمل الكبيرة في الوضعين العربي والإسلامي. الرسمية العربية مجتمعة أو منفردة، تكتفي بإصدار التصريحات والبيانات، في وقت لا ينفع فيه قليل الكلام أو كثيره، والجماهير العربية تئن تحت وطأة أزماتها، وبلاياها، لكن كل هذا مؤقت، طارئ، لا يمكن أن يستمر طويلاً. اجتمع العرب مرتين في بدايات أيام العدوان، وفي نهايته ان كان العدوان قد انتهى، ولكن شيئاً يثلج القلب، ويكفكف الدموع لم يصدر عن هؤلاء، ولا صدر عن منظمة التعاون الإسلامي هي الأخرى ما يزيد على ما صدر عن المجموعة العربية. في معركة التصدي للعدوان لا تنفع الشعارات، ولا اللافتات الكبيرة، ولا ثورات الغضب المؤقتة، فكل ما صدر، لا يعدو كونه براءات ذمم، لا تترك على صفحة التاريخ أية بصمات أو آثار.
من المؤسف أن تكون الحركات والنشاطات التضامنية في الدول الغربية أقوى وأوسع، وأشد فعالية مما يقع في الدول العربية والإسلامية، أما السبب فيعود إلى كلمة واحدة "الحرية"، هذه الحرية هي التي تدفع الفلسطيني لكي يجود بكل ما عنده، لكي يصبح عضواً فعالاً في الأسرة البشرية. الفلسطيني مستعد لأن يواصل حتى لو كان وحده، لكن ما لا يظهر على سطح التفاعل، اليوم، سيظهر غداً. ولننظر وننتظر ما يجري داخل الكيان الإسرائيلي.
المجلس العالمي لحقوق الإنسان، شكل لجنة تحقيق، وليس لجنة تقصي حقائق للبحث في الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل بحق القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني. في المرة السابقة، كان رئيس لجنة التحقيق الدولية، غولدستون يهودياً من أصل أسترالي، ورغم ذلك لم تسمح إسرائيل له ولا لفريقه من الدخول لاستكمال التحقيق فيها. كالعادة إسرائيل اتهمت غولدستون ولجنته، وقرار مجلس حقوق الإنسان، بالانحياز مسبقاً لصالح الفلسطينيين. هذه المرة لا تختلف فرئيس الفريق هو البروفيسور الكندي ويليام شاباس أي أنه ينتمي إلى دولة أكثر من صديقة لإسرائيل، دولة تتنطح لدعم السياسات والمواقف الإسرائيلية، حتى ما لا يلفت النظر منها، ولكن حكومة نتنياهو تتخذ الموقف ذاته الذي اتخذته من فريق غولدستون.
بالنسبة لإسرائيل، التقرير جاهز قبل أن يبدأ الفريق عمله، وأعضاء الفريق منحازون سلفاً، لصالح الفلسطينيين، ولكن ماذا يقول نتنياهو وطاقم تحالفه إزاء إبلاغهم من قبل المستشار القضائي للحكومة يهود فانشتاين من أن الجيش يرتكب جرائم حرب؟
إذا كان العالم قد فتح معركة على إسرائيل لا تستطيع معها الولايات المتحدة وحلفاؤها حماية حليفتهم، فإن داخل إسرائيل يشهد معركة قد بدأت للتو، وقد تطيح بالكثير من الرؤوس.
هذه المعركة تلزم حلفاء إسرائيل بالصمت، فهذا أفضل خيار لهم، لأنهم إن تحدثوا لصالح حليفتهم، وضعوا أنفسهم في دائرة الشبهة وإن انتقدوها خالفوا طبائعهم، ومصالحهم، واستراتيجياتهم.
اليمين في إسرائيل ينتقد نتنياهو لأنه كان عليه أن يوسع العملية حتى اجتياح قطاع غزة، والقضاء على المقاومة، وحكم "حماس"، أو البقاء على الحدود وترك المهمة للطيران والمدفعية البرية والبحرية، أما اليسار فإنه يعتبر أن العملية لم تكن ضرورية. الآن بدأ المستوى السياسي يتقاذف التهم مع المستوى العسكري والأمني، كل يلقي باللائمة على الآخر. وفي الكنيست بدأت لجنة الخارجية والأمن التحقيق في إخفاقات الجيش. في إسرائيل غابت لغة النصر، إذ سيبدو غريباً ومستهجناً أن يبادر أي مسؤول لتزوير الحقيقة بحديث عن نصر، لا يعترف به ولا يلمس آثاره الإسرائيليون. مرة أخرى لم يعد مهماً إن كان سيكون هناك اتفاق، وهذا مهم، أم لا، فالفلسطينيون يتماسكون أكثر والإسرائيليون يتفككون أكثر.

طلال عوكل