وضع العدوان الإسرائيلي الغاشم الحركة السياسية برمتها على المحك، وأعاد اختبارها في لحظة احتدام الصراع، فكان الأداء ملتبساً ومرتبكاً عند البعض، وكان صريحاً في ابتعاده عن الهدف الوطني المركزي لدى البعض الآخر، والتزم آخرون بما يطلبه المزاج العام. المطالب المشروعة التي صاغها المقاتلون النافذون (حماس والجهاد) اقتصرت على فك الحصار ومقومات استقلال قطاع غزة (مطار وميناء ومعبر). هذه المطالب هي دون شك مطالب عادلة بل هي حقوق مشروعة تحاول المقاومة الإسلامية تحقيقها بعد أن فشلت المفاوضات طوال عقدين من تحقيقها. نعم المطالب عادلة والمحاولة مشروعة، غير أن اقتصار المطالب على جزء من الأهداف وعدم ربط الجزء الذي يتحقق بالأجزاء التي لم تتحقق يكشف عن اختلال كبير. وذلك عندما تضمنت ورقة المقاومة إبرام تهدئة لمدة عشر سنوات. والتهدئة بحسب التهدئات السابقة تنسحب على الضفة الغربية التي تشهد تعميقاً للاحتلال والاستيطان والتهويد والفصل العنصري.
إن هذا الطرح السياسي يطرح أسئلة عديدة من نوع: ما هي علاقة سلاح المقاومة باستباحة الضفة وبإجراءات ضمها من الناحية الفعلية؟ ما هو برنامج المقاومة لإنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره بما في ذلك إقامة دولته المستقلة، البرنامج البديل لبرنامج المفاوضات؟ هل ينتظر الشعب عشر سنوات نراقب ضم وتهويد الضفة والقدس لتضاف الى عشرين سنة من المفاوضات التي لم تأت بغير الاستيطان وبمزيد من الاستيطان والنهب المغلف بوعود الدولة والاستقلال؟ هل نقبل بالتراجع عن دولة في الضفة والقطاع والقدس إلى دولة في قطاع غزة؟ هل نقبل فصل القطاع عن الضفة؟ علما أن فصلهما عن بعضهما البعض كان هدفاً أساسياً من أهداف دولة الاحتلال.
وجه الغرابة كان في طلب الإشراف الأميركي على تطبيق الورقة والاتفاق الذي سيتمخض عنها، وقد أتى هذا الطلب على لسان المعارضين لاوسلو بعد عشرين سنة من الاحتكار الأميركي للإشراف على العملية السياسية، وبعد النتائج الوخيمة الناجمة عن ذلك الإشراف المنحاز بشدة للمواقف العدمية الإسرائيلية، الإشراف الذي وفر الغطاء لتدمير مقومات الحل السياسي الذي يقبل به الشعب الفلسطيني، والإشراف من الحكومة التي ايدت العدوان الوحشي على قطاع غزة وأمدته بـ 250 مليون دولار وفتحت له مخازن الذخيرة. إن طلب الوساطة الأميركية المجربة في كل مكان وزمان، لا يعد خطأ فنياً سقط سهوا، بل هو امتداد لسياسة تعبر عن مصالح ما ولها امتداداتها الإقليمية. وهذا يذكر بانتقال الإخوان المسلمين عندما صعدوا إلى الحكم في اكثر من بلد من معارضة السياسة الأميركية وتبعية الأنظمة المستبدة سياسياً واقتصادياً وأمنياً إلى التحالف مع الإدارة الأميركية وقبول علاقات التبعية، والانتقال من تكفير وتخوين اتفاقات كامب ديفيد الى التسليم بها.
إن إغفال الهدف المركزي أثناء احتدام الصراع، ومحاولة تجديد الوساطة الأميركية بالاعتماد على الجناح الإسلامي من وكلائها الإقليميين، ومحاولة استعادة مكانة الإخوان المسلمين من خلال معركة غزة، وفتح قنوات تفاوض خارج الوفد الرسمي والحكومة المشتركة، كل هذا لا يبعث على الاطمئنان فيما ستؤول إليه الأمور في حال انتقال الإسلام السياسي الفلسطيني الى مركز القرار. هل سيدخل الإسلام السياسي في مقايضة دولة القطاع بإرجاء الحل في الضفة الغربية والقدس وما يعنيه الإرجاء من اختصار الحل في دولة القطاع. هل يقبل الإسلام السياسي بالتقاطع مع الهدف الإسرائيلي والأميركي موضوعياً وبذريعة رفض الاعتراف بإسرائيل وبحقها في الوجود على أي ارض فلسطينية؟. وكشف العدوان الغاشم واقع الحركة السياسية الراهن، بين أن ميزان القوى الداخلي الشعبي رَجَحَ لمصلحة المقاومة الإسلامية، فهي التي تأخذ القرار بالقتال وبوقفه وتقبل بالهدنة الإنسانية او ترفضها، وهي التي تضع الشروط المقدمة للإسرائيليين، والمنظمة بفصائلها لا تملك غير تشكيل الغطاء السياسي فقط، والتوسط بتقديم النصح والإرشاد. تبين ان القرار السياسي في كل ما يتصل بالمقاومة وبهذه المعركة هو خارج منظمة التحرير وفصائلها، وان ذلك القرار الذي تتخذه حركة حماس يحظى بتأييد شعبي جارف رغم الإِشكال السياسي الخطير الذي قد يترتب على سياستها من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تاريخياً وراهناً، بين العدوان ومعركة شهر، أن قوى اليسار خسرت ميزة النقد والاعتراض ومحاولة تصويب التجاوز السياسي، وخسرت فتح حساسيتها الوطنية، وكل ذلك نتيجة منطقية لعدم تجديد وإصلاح البنية التنظيمية والسياسية والفكرية والمالية الشائخة. إن عدم النقد وعدم الاحساس بالمخاطر وعدم الوعي بالتحديات وبضرورة التغيير والاستجابة للتحولات العاصفة أدى الى الانفصال عن القواعد التنظيمية والجماهيرية، وادى الى الانفصال عن نبض السواد الاعظم من المواطنين الذين تركوا تحت رحمة كل الاجندات ما عدا الاجندة الوطنية الفلسطينية.
كم كان أداء حكومة الوحدة هامشيا بالمعنى السياسي، بل كان غائبا عن القرار السياسي، وهبط دورها الى دور اتحاد البلديات الداعم انسانيا ولوجستيا لجزء منكوب من الوطن. الاداء والصلاحيات والتمثيل قبل العدوان انعكس على مرحلة ما بعد العدوان. غير ان واقع الحكومة ما بعد العدوان كشف كم ان الانقسام السياسي من فوق عميق وشائك، خلافا للوحدة على صعيد شعبي التي تعمقت اثناء العدوان اكثر من اي وقت مضى. وكم كانت خطوة إنهاء الانقسام عبر تشكيل الحكومة شكلية وفاقدة للمضمون. وإذا لزم الأمر استخدام منظمة التحرير كغطاء سياسي ووسيط، تحديداً مع مصر، فلا لزوم لحكومة الوحدة كي تشكل غطاء، اللهم فقد لزم استخدامها لتأمين احتياجات الدواء والغذاء والعلاج والمال – دور لوجستي-. إن تجربة الحكومة المريرة تتطلب إعادة نظر من اجل تحريرها من الجانب الشكلي، ومن أجل تجاوز الاعتبارات التكتيكية المحضة التي أتت بحكومة شكلية، وتستدعي طرح قضية إنهاء الانقسام ودور السلطة على بساط البحث، بعيداً عن الشعارات والخطابات التي استهلكت قبل الحرب ولم يعد لها معنى أثناء وبعد الحرب.
Mohanned_t@yahoo.com


