خبر : مفاوضات المرايا المحدبة ...عبد الله السناوي

الإثنين 11 أغسطس 2014 09:40 ص / بتوقيت القدس +2GMT
مفاوضات المرايا المحدبة ...عبد الله السناوي



هناك خشية أن تبرد الدماء فى هدنة غير معلنة، وتصل المفاوضات غير المباشرة إلى لا شيء يرفع عن غزة حصارها.
فى الانسحاب البرى من طرف واحد إشارة إلى فشل القوات الإسرائيلية فى تحقيق أية أهداف سياسية من عدوان أمعنت وحشيته فى جرائم حرب منهجية وفق المنظمات الحقوقية الدولية.
وفى الذهاب إلى مفاوضات غير مباشرة إشارة أخرى إلى بحث عن مخرج من مأزقها السياسى الذى نال بفداحة من صورتها أمام العالم ودمغها بالهمجية كما لم يحدث من قبل.
التبريد السياسى من طبيعة ما بعد الأزمات الساخنة، فالأخبار تتراجع لصالح أخرى والمتابعة تقل بالوقت فى وسائل الإعلام.
المفاوضات غير المباشرة لم تصل إلى التزامات نهائية فى أية نقطة تناولتها والكلام كله معلق فى هواء صيف القاهرة.
لا الإسرائيليون وقعوا على التزامات ترفع الحصار ولا الفلسطينيون صدقوا وعودا اعتادوا التنكر لها كأنها لم تقطع.
بحسب الرواية المصرية فإن الوفد الإسرائيلى أعلن تعهده بإطلاق سراح الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين والأسرى الذين أفرج عنهم وفق صفقة «جلعاد شاليط» قبل أن يعاد اعتقالهم وفتح المعابر أمام حركة السلع واحتياجات إعادة التعمير وتعهدات أخرى تشمل الحدود البحرية وتسوية استحقاقات مالية معطلة.
بالنسبة لمعبر رفح فقد اعتبر مسألة مصرية لا شأن لإسرائيل بها على أن تنظم حركته المنتظمة صيغة (٢٠٠٥) بعد إعادة بلورتها تحت إشراف أجهزة أممية وشراكة السلطة الفلسطينية كطرف رئيسى.
بحسب الرواية نفسها فإن الإسرائيليين طلبوا نزع سلاح غزة غير أنهم نحوه جانبا بأسرع من أى توقع عند تسجيل الاعتراض عليه، فالطلب يرتبط بطبيعته بالحل النهائى كما أنه يصعب التفاعل معه ولا إجابة ممكنة على سؤال «كيف.. وبأية آلية؟».
هناك افتراضان رئيسيان لتفسير السلوك الإسرائيلى فى مسألة نزع سلاح المقاومة. أولهما إدراك أن ما فشلت فيه آلتها العسكرية لا يمكن أن تحصل عليه بالسياسة.. والثانى إعطاء انطباع بأنها مستعدة لتقديم تنازلات فى مسائل لا تملكها ولا يملكها مفاوضوها الفلسطينيون مقابل التشدد فى مسائل أخرى تنسف جوهر المفاوضات بعد تبريدها وتحميل الطرف الفلسطينى أمام الرأى العام العالمى مسئولية الفشل كأنها تغسل يديها الدموية من المجازر التى ارتكبتها والحصار الذى تفرضه على غزة وأهلها.
بدت المفاوضات كالمرايا المحدبة يمكن لكل طرف أن ينظر فيها ويتوقع أن يرى الآخرون ما يراه، هناك من هو مستعد أن يقول إنها نسفت رغم ما جرى التوصل إليه من حيز كبير فى التفاهمات وأن طبيعة المفاوضات تقتضى التنازلات المتبادلة، فـ«لا أحد يحصل على كل مطالبه إلا أن يكون ألحق بخصمه هزيمة كاملة كالتى لحقت باليابان بعد ضرب هيروشيما بالقنبلة النووية» بحسب تعبير مسئول مصرى كبير مطلع على المفاوضات غير المباشرة ويتابع تفاصيلها.. وهناك بالمقابل من هو مستعد أن يؤكد أن شيئا جديا لم يحدث فلا التزامات «ممسوكة» ولا استعداد إسرائيلى للتعاطى مع قضيتى الميناءين الجوى والبحرى، فالأول منصوص عليه فى اتفاقية أوسلو والثانى بدأت مراسم تشييده بنهاية التسعينيات بحسب تعبير مسئول فلسطينى كبير يشارك فيها.
فى المسافة ما بين القراءتين تتبدى مخاوف انهيار مزدوج للتوافقات الفلسطينية الصعبة على ورقة المطالب المشتركة التى وفرت لأول مرة منذ فترة طويلة قاعدة توافق جدية تتخطى العبارات الإنشائية المعتادة والتوافقات الصعبة الأخرى مع السلطات المصرية على أساس الورقة نفسها.
التوافق الفلسطينى «إنجاز» له قيمته وأثره فى ترميم البيت الفلسطينى المتصدع واستعادة شيء من وحدة الشعب والقضية غير أن صلابته تحت الاختبار.
بيان الجناح العسكرى لحركة «حماس» الذى دعا بلغة أقرب إلى التهديد للانسحاب من المفاوضات غير المباشرة إن لم تعلن إسرائيل موافقتها على الميناء البحرى إشارة بالغة السلبية فى توقيت حرج.
المطلب مشروع لكنه ليس الوحيد حتى تلخص المفاوضات فيه ولغة الخطاب تنذر بانقسامات هذا ليس وقتها.
الطبيعى أن تصدر المواقف أثناء المفاوضات من القيادات السياسية لا العسكرية وأن تكون بالتوافق داخل الوفد كله الذى يمثل المكونات السياسية فى منظمة التحرير الفلسطينية بالإضافة إلى تنظيمى «حماس» و«الجهاد».. والمنطقى أن تصاغ المواقف المعلنة بلغة قادرة على إقناع العالم بأن هناك قضية عادلة لشعب يتعرض لجرائم حرب والإبادة الجماعية، يصمد ويمارس حقه فى مقاومة الاحتلال المكفول بالقانون الدولى ويطلب رفع حصار يمنعه من أدنى حقوقه فى الحياة الآدمية لا التهديد المتكرر بأصابع يد رجل ملثم.
فى لغة الخطاب إشارات لا تخفى عن أزمات قادمة.
التوافق الفلسطينى يستحق أن يبنى عليه والمطالب عادلة أمام الضمير الإنسانى غير أن الوسائل لابد أن تتسق مع الأهداف.
ثم إن هناك انهيارا محتملا آخر للاختراق الإيجابى نسبيا لقواعد استقرت فى الوساطات المصرية التى مورست فى عدوانى (٢٠٠٨) و(٢٠١٢) على عهدى «حسنى مبارك» و«محمد مرسى».
معنى الدعم المصرى المعلن لورقة المطالب الفلسطينية تجاوز مبادرتها المثيرة للجدل التى تقضى بإجراء التفاوض بعد وقف إطلاق النار وتغيير طبيعة دورها من «وسيط محايد» إلى «مشروع شريك».
الدعم السياسى خطوة رمزية لإمكانات تطوير الموقف المصرى وأن يكون طرفا فى إعادة بناء موقف فلسطينى أكثر تماسكا، ولا مصلحة لفلسطين فى «شيطنة مصر» كما لا مصلحة لمصر فى «شيطنة المقاومة».
فى توقيت واحد جرى خلط أوراق فادح بين الحق فى المقاومة والخلاف مع حركة حماس وخلط أوراق آخر بين مصر ومبادرتها لوقف العدوان على غزة بصورة تجاوزت كل حد وأساءت إلى تاريخها وشعبها لصالح أطراف إقليمية أخرى.
فى الشيطنتين جهالات بالتاريخ وحقائقه الأساسية، فلا أمن قوميا لمصر دون أن تمتد الأبصار إلى حدودها الشرقية ولا أمل فى تماسك فلسطينى محتمل بلا دور مصرى مؤثر وفاعل.
مأساة حقيقية أن ترهن مواقف أساسية فى وقت حسم لأسباب لا علاقة لها بالقضية الفلسطينية ودمها المهدر فى غزة.
بحسب معلومات مؤكدة فإن وزير الخارجية الأمريكى «جون كيرى» عرض على نظيره المصرى «سامح شكرى» مشروع وثيقة دولية تسند لتركيا وقطر مع مصر دورا فى تنفيذ التهدئة تعلن من القاهرة بحضور أمين عام الأمم المتحدة «بان كى مون» ويجرى التوقيع عليها فى مؤتمر دولى بباريس. القاهرة اعترضت على توثيق أية أدوار لأطراف إقليمية فى مستند دولى وقاطعت مؤتمر باريس الذى انعقد لحفظ ماء الوجه بعد الإعلان عنه.
فى الظلال فإن إيران حاضرة فى أزمة غزة فهى المصدر الرئيسى لتسليحها وحساباتها الإقليمية تحاول أن تخفف من وطأة الاندفاع إلى حروب مذهبية فى المشرق العربى بمواجهات على جبهات أخرى تتحدد فيها المعسكرات بصورة مختلفة لكنها فى الوقت نفسه تحاول بأقصى ما تستطيع ألا تتعارض مع القاهرة وأن تمد خطوط التفاهمات معها.
فى المرايا المحدبة للمفاوضات غير المباشرة يعمل الإسرائيليون على كسب نقاط مجانية بلا دفع فواتير مستحقة ترفع عن غزة حصارها بينما ننظر نحن إلى وجوهنا بأكثر مما ننظر إلى وجوه المعذبين فى غزة.

اقرأ المزيد هنا: http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=11082014&id=26b79ca9-7988-44ed-bde9-9c11ac403eaf