خبر : مفاوضات القاهرة: ملاحظات ...بقلم: عاطف أبو سيف

الإثنين 11 أغسطس 2014 09:12 ص / بتوقيت القدس +2GMT
مفاوضات القاهرة: ملاحظات ...بقلم: عاطف أبو سيف



لا بد من الملاحظة أن الموقف الفلسطيني بات أقوى وأصلب حين اتفق الجميع الفلسطيني على جملة المطالب التي تمثل الشعب الفلسطيني. وهذا درس لابد أن تفهمه حماس تحديداً. فلولا وقوف الكل الفلسطيني مع صياغة تلك المطالب وتمثليه لها لبدا الأمر أنه معركة حماس ومطالبها وحدها وبالتالي لكان العالم تعاطي مع الأمر بوصفه خاص بحماس. وعلى حماس أن تدرك بأن العالم لم يكن ليأخذ الأمر بكثير من الجدية. بل إن إسرائيل عملت على تصوير الأمر أنه صراع بينها وبين حركة حماس "الارهابية" (بكلمات إسرائيل) وهي لا تفعل شيئاً إلا تكملة المعركة الأخلاقية ضد الإرهاب التي تخوضها كل قوى العالم المتحضر. لذلك وإذا ما انتبهنا جيداً فإن مواقف العالم كانت وحتى لحظات قريبة قد لا تكون مع إسرائيل ولكن المعارضة لحربها على غزة لم تكن بالشكل المطلوب. بل إن بعض القوى الكبرى بدت وكأنها تدعم هذا العدوان وتؤازره. إسرائيل أرادت ذلك وعملت عبر خطابها ودبلوماسيتها على اقناع العالم به، رغم أن الحقيقة مختلفة تماماً.
حماس بدورها وعبر اعلامها لم تعمل على إزالة هذا اللبس، بل عززته في جزء منه. فالذي يقاوم فقط حماس ولا أحد غيرها. اما مقاومة باقي الفصائل فلا تذكر. وهذا خطأ كبير. هذه معركة الشعب الفلسطيني في الدفاع عن كرامته أمام عدوان غاشم، وليست أي شيء آخر. ما اريده من وراء هذا هو التأكيد على ضرورة توسيع الخطاب وتطويره بما يكفل خدمة تصوراتنا كفلسطينيين عن طبيعة العدوان لا بما يصب في مصلحة رواية العدو.
والشق الآخر من النقاش هنا يتعلق بكيفية تعاطي العالم مع المطالب الفلسطينية حين باتت تمثل الكل الفلسطيني. لاب أن نلاحظ الفرق الكبير في الجدية الكبيرة التي تم التعامل فيها مع تلك المطالب. فليس صحيحاً أن إسرائيل تخوض حرباً ضد حفنة من الأشرار الذين يقاتلهم العالم الحر في أماكن كثيرة في العالم، بل إن ثمة شعب يتم الاعتداء عليه وهو رغم كل آلة البطش فإن لديه جملة من المطالب التي لابد للعالم ان يقف عندها. المؤكد أن الموقف الفلسطيني بات أكثر قوة وهو أكثر صلابة رغم كل الضغوطات التي قد يتعرض لها. لم تعد تلك مطالب فردية بل انه تم تطويرها لتصبح مطالب عامة.
النقطة الثانية التي لا تقل اهمية هي جملة من الاسئلة المتعلقة بتلك المطالب حتى لا تبدو في مجملها مطالب ذات صبغة ضيقة. حيث ان الكثير من النقاش محصور في زوايا صغيرة. أحد أهم الملاحظات في هذا الجانب والتي يجب أن يتم سؤالها بكثير من الوضوح تتعلق ببعض المطالب التي تتمسك بها الفصائل الفلسطينية وهي مطالب لعامة الناس تأكيداً. بخصوص المطار هل هو مطار غزة أم مطار الدولة الفلسطينية العتيدة؟ كذلك الميناء هل هو ميناء غزة أم ميناء دولة فلسطين؟ من المؤكد بان الاجابة على هذا السؤال هامة حتى لا تبدو تلك المطالب بأنها مطالب غزة وليست مطالب دولة فلسطين. الصراع الإسرائيلي اتجه تحديداً نحو عزل غزة عن مجمل الصراع والتعامل مع القضية الوطنية بالقطعة، وعليه إن التأكيد المقيت والممل في الخطاب لدي البعض على "غزاوية" الصراع هو خدمة جليلة للعدو وليست إعلاءً واجباً للدور البارز لغزة في المعركة. فإذا كان المطار هو مطار الدولة الفلسطينية وإذا كانت الميناء هي ميناء الشعب الفلسطيني ودولته فإن هذا يجب أن يتلازم مع تغير في وجهات النظر وفي آليات التعاطي مع الصراع الدائر.
ضمن أشياء كثيرة كان لابد من شمل بعض القضايا التي تخص الجزء الآخر من الأراضي المحتلة. من المؤكد أن أسرى صفقة شاليت جزء مهم ولكن أيضاً هذا المطلب لا يندرج ضمن المطالب السياسية السيادية الكبرى بقدر ارتباطه باتفاق سابق بين حماس وإسرائيل. كنت سأسعد كثيراً لو تم شمل مطالب حيوية تخص تخفيض والحد من "احتلالية" إسرائيل للضفة الغربية مثل تجميد الاستيطان مثلا أو تفكيكه حتى. إدخال قضية الممر الآمن مهمة من حيث التأكيد على وحدة الحال بين الضفة الغربية وقطاع غزة والتكامل الجغرافي بينهما.
الوجه الآخر للنقاش هو افتراضي. ماذا لم تم تحقيق الميناء والمطار، هل سيسمح لسكان الضفة الغربية باستخدامهما؟ هذا ليس للجدل ولكن للكشف عن أهمية الوعي الخلفي لمثل هذه المواقف التفاوضية، وحتى لا يخرج أحد ليقول لنا غداً إن غزة انتصرت أو غزة انهزمت. إذا كانت تلك مطالب ضمن رؤية سيادية عامة تخدم أهداف المشروع الوطني فلابد أن يكون الخطاب الإعلامي الذي يعبر عنها يقول ذلك بوضوح ولا يوارب خلف مجازات وكنايات تصلح في كتب الأدب فقط وليس في تحصيل الحقوق. وتأسيساً فإن المطالب في مفاوضات القاهرة هي مطالب الحقوق الفلسطينية وليست مطالب انسانية. فالفلسطيني لا يريد المطار ولا الميناء حتى يحسن شروط حياته الإنسانية، بل هو يريدهما لأن هذا جزء من حقه المكفول في القانون الدولي والأهم من ذلك لأن هذه أرضه وهو صاحب السيادة عليها ولا أحد غيره. وإذا كان الأمر كذلك فإن استخدام هذه المرافئ هي من حق الفلسطيني أينما وجد. وعليه مرة أخرى لا بد من توسيع النقاش وتعميقه حتى يلامس الحقوق الوطنية وليست الظروف والشروط الإنسانية.
والنقطة الأخيرة أن هذه فرصة حتى يصار على التأكيد على الجوانب التي لم تكتمل في الحوارات الوطنية والمتعلقة بالرؤية الموحدة حول مستقبل المشروع الوطني وسبل تحقيقه عبر خطوات واجراءات عملية وليست كلاماً إنشاءً فقط. أيضاً التمسك بالمطالب الفلسطينية مهمة وحيوية وعدم الوقوع في محنة التفاوض حول التفاوض حتى لا نجد أنفسنا نلعب لعبة إسرائيل في تحويل الوضع إلى سياسة أمر واقع.